المخرج الإيراني أصغري: الرقابة الذاتية في طهران تتسلّل إلى المبدعين بلا وعي

علي بنهرار من الدوحة

قال المخرج الإيراني علي أصغري إن “الرقابة الذاتية تشكّل خطرا حقيقيا؛ لأنها قد تعمل من داخل الفنان من دون أن ينتبه إليها، وتنعكس على اختياراته أثناء صناعة الفيلم من غير أي تدخل خارجي مباشر”، موردا أن “هذا النوع الخفيّ من الرقابة يتكون منذ الطفولة ويتسرّب إلى لا وعي الإنسان، ليُعاد إنتاجه لاحقا كبنية قويّة تفرض نفسها داخل النسق السينمائي”.

جاء كلام أصغري وهو يتفاعل مع سؤال لهسبريس، الأربعاء في الدوحة، حول “أي موقع للرقابة الذاتية في السياق السينمائي الإيراني حيث تُفرض رقابة حكومية معروفة خاضعة للحكم المطلق، ومع ذلك تنفلت أعمال نوعية وقوية بميزانيات صغيرة؟”، ووضّح أن “الرقابة في الدولة الفارسية بالنسبة للأعمال الفنية والإبداعية ليست بالضرورة طبقة واحدة، بل هي مستويان مختلفان”.

وأشار مخرج “كوميديا إلهية”، المشارك في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة بمهرجان الدوحة السينمائي 2025، إلى أن “الشكل الأول يتعلّق بالرقابة التي يعرفها المخرج ويتعامل معها بشكل مباشر”، أما الثاني، وهو الأخطر في نظره، فهو الرقابة التي “تعيش داخل الفنان”. وقال: “الرقابة التي أعرفها أحاول عادة ألا أشغل نفسي بها. أمّا التي لا نعي وجودها فهي أصعب؛ لأنها تتكون منذ الطفولة وترافق مساراتنا الحياتية والمهنية”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وتدور أحداث الفيلم الروائي الطويل (إيران/إيطاليا/فرنسا/ألمانيا/تركيا)، الذي يتنافس على الجائزة الكبرى ضمن قائمة تتضمن 13 عملا آخر، “قصة صانع أفلام يدخل في مهمة سرية لعرض فيلمه على الجمهور الإيراني، متجاوزا مقص الرقيب وتعقيدات البيروقراطية العبثية وشكوكه الداخلية”، وسجل المخرج في جوابه أن “البعض يعتقد أن الرقابة تدفع الفنان إلى الإبداع من خلال إيجاد حلول بديلة”، لكنه يرى أن “أثرها السلبي على المدى الطويل أكبر من أي مكسب محتمل”.

وخلال ردّه عاد المخرج إلى تجربته في فيلمه الروائي الأول “الاختفاء”، مبينا أنه صُوّر “من دون إذن رسمي”، وبالتالي لم يواجه رقابة مباشرة خلال الإنتاج. لكنه “فوجئ لاحقا بآثار الرقابة الذاتية”. ووضّح قائلا: “بعد عرض الفيلم في المهرجانات، سأل كثيرون من الجمهور لماذا لم يعانق الفتى الفتاة؟ عندها فقط أدركتُ أنني لم أفكر في إمكانية حدوث ذلك أصلا؛ لأنني طوال حياتي كنت أرى أن مشهدا كهذا غير وارد في شوارع طهران”.

فيلم “الاختفاء” (2027-88 دقيقة) “يدور حول شاب وشابة في علاقة حب في طهران يواجهان مشاكل جادة ويجب عليهما إيجاد الحل بسرعة؛ فالشاب كان يبحث عن مستشفى طوال الوقت لأن الفتاة كانت تنزف، واعتبره علي أصغري “مثالا مباشر على الرقابة اللاواعية التي تُسقِط خيارات كاملة من ذهن الفنان من دون أن يشعر بها”.

من جهة مغايرة، لفت المخرج إلى أن الجمهور خارج إيران بات مطلعا على أوضاع السينما الإيرانية والضغوط الواقعة على المبدعين، بفعل كثرة الأعمال التي خرجت من البلد خلال العقد الأخير، لكنه أكد أن تجربته شخصية أيضا؛ إذ “لم يُعرض أي من أفلامي داخل إيران، ولهذا كنت أرغب أن يُعرض واحد منها على الأقل، ومن هذا التفكير نشأت فكرة فيلم ‘كوميديا إلهية’”.

وأشار المهني السينمائي الإيراني، الذي جمعه لقاء مع الصحافيين بالدوحة إلى جانب فريق عمله، إلى أن إحدى شخصيات الفيلم تقول: “لم أقتل أحدا، إنه مجرد فيلم، ولن يحدث شيء بمجرد عرضه”، موضحا أنه أراد تقديم نظرة مختلفة بعيدا عن الاستناد إلى خطاب المظلومية أو ارتداء ثوب الضحية.

وبشأن التطابق في عنوان العمل ومع “الكوميديا الإلهية” لدانتي، أكد أصغري أنه كان يبحث عن اسم يعكس الطابع الكوميدي ويرمز في الوقت نفسه إلى مسار الشخصية، وتابع شارحا: “أثناء كتابة السيناريو شعرنا بأن البطل ينتقل من مرحلة مظلمة إلى مرحلة مضيئة. واستحضرتُ متن دانتي، فكان التشابه حتى من حيث المضمون موجودا”.

كما أكد من ناحية أخرى أن “الفريق لم يرغب في إعادة تقديم مصاعب السينمائيين الإيرانيين بالطريقة المألوفة، وإنما اختار السخرية منها: “هذه المرة أردنا أن نُظهر عبثية القيود، وأن نُبيّن أن نظام الرقابة أقل أهمية مما يظن، وأن التهكّم يمكن أن يضع هذه القواعد في حجمها الحقيقي”، خالصا إلى أن “التحرّر من الرقابة لا يتحقق فقط بتجاوز القواعد الحكومية، بل بالوعي بما نحمله داخلنا”.

إقرأ الخبر من مصدره