
فؤاد بنبشينة
يقول كلود ديفيريو: “إن رفض التواصل هو فعل من أفعال التواصل”.
فسألت كيف يمكن لرفض التواصل أن يكون فِعلاً من أفعال التواصل؟
واستنتجتُ أن حضور أي ذات خارجة عن العملية التواصلية الفعالة هو شكل للتواصل، فوصفته بالحضور من الدرجة الصفر للتواصل، حتى أَقطعُ مع تقابلات اللا-تواصل في مقابل التواصل، فالقرق هنا كبير، باعتبار أن اللا-تواصل قد يُحيلُ على السلبية أي ما دون الدرجة الصفر؛ إذن لنحتفظ بالدرجة الصفر وما بعدها حتى يتسنى لنا القطعُ مع السلبية والعدوانية والتطرُّف.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
إنّ مجرد وجودنا داخل ثقافة ما (محلية أو وطنية أو كونية) وزمنية ما، وبحضور الآخرين يجعلنا نتواصل معهم، على الأقل من خلال جسدِنا وجِنسنا وأعمارنا وقدرتنا على الإغواء وطرائق وجودنا وتصرفاتنا وسلوكياتنا ولباسِنا، والرموز التي تؤشر عليها الأكسؤسوارات التي نحمِلها، وبدرجة أقل حالتنا الصحية والنفسية ومستوانا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي؛ في المقام الأوّل، إنّ اللا-تواصل غير موجود، حيث إنّ رفض التواصل هو شكل تواصل ومن ثمّة شكل حياة.
ماذا يعني هذا؟
طيب، إن التواصل موجودٌ داخل أي مجتمع باعتبار أن الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ يتنفس العلامات والرموز، حيث إن حضوري وحضورك وحضورنا داخل المجتمع يدفع بالضرورة الآخرين إلى أن يلتقطون علامات وجودي/ وجودك/ وجودنا، إن الآخرين ينصتون إلى إيقاع الجسد وحركاته وشكل مظهره وطرائق حضوره أو غيابه وصمته. إذن هو حضور ثقافة داخل ثقافات مختلفة يُفضي إلى تواصل داخل تواصليات مختلفة، والشاهِد هنا هو فضاء كلية الآداب والعلوم الإنسانية كفضاء مُدمَجٍ داخل فضاء دامِج وهو المجتمع المغربي باختلاف ثقافاته، وأن ذات الطالب تتمثل ثقافتها داخل هذه التنوُّع الثقافي، ولتحقيقها تواصل جيّد وجب عليها فهم وإدراك هذا الاختلاف حتى يتسنى لها القطعُ مع أشكال الفشل والانسحاب والهروب واللاتوازن الثقافي والنفسي، فما إن يحضُرُ التواصل فبالضرورة الذات تكون قد امتلكت مهارات تُعزز حضورها داخِل هذا الفضاء المتعدد الثقافات، وهذا شكل وعي ثقافي-تاريخي. وعليه، نكون أمام متعة أو هي لذة الثقافة داخل الثقافات، أي متعة تواصل الذات مع ذوات أخرى. فالتواصل الجيّد يقطع مع حالات إقصاء الذات من مجتمعها، فكذلك هي الجامعات والمدن وقاعات الدروس والمحاضرات تُقصي من لا يفهمها، إنها فضاءات تشترط الفهم والتواصل الفعال والدينامية التفاعلية، ولا تقبل بالتواصل من الدرجة الصفر.
من لذة النص إلى لذة التواصل.
هذه الدينامية التفاعلية داخل العملية التواصلية تفضي إلى متعة، وهنا أقتبس عن رولان بارث مفهوم “لذة النص” le plaisir du text وأحوِّر مفهوم النص إلى مفهوم التواصل، ونصبح أمام “لذة التواصل”.
حيث إن “لذة التواصل” ليست مُعطىً جاهِزاً داخل الحياة الجامعية أو المجتمع، بل هي تلك العلاقة بين الذات والفضاء ومُكوِّناته، باعتبار أنّ الذات مُشارِكا فعّالاًّ في صَوغِ هذه “المتعة” ارتكازا على ثقافتها وذاكِرتها وتاريخها والتاريخ هنا يحيل إلى جذور وهوية الذات.
ولنا أن نتصوّر الطالب/ الباحث كيف يتمثل مُتعة النجاح في علاقة تفاعله وفاعِليته مع دروسه ومحيطه الجامعي وبيئته والمدينة، وكيف حققت له لذة النجاح سَلامًا وأمنًا واطمئنانا وتوازنا نفسياً، إذن، ما إن يحضر التواصل الفعّال الجامعي يَحضرُ بالضرورة رهان النجاح والتميُّز.
قلتُ، ما إن تروم الذات إلى تحقيق “التواصل الفعال” وتستمتع به بالضرورة هي تتطلّع إلى كسب رهان الرغبة الجامِحة في تحقيق أهدافها العادِلة، وهذا شكل استثمار المهارات الذاتية والحياتية ، هنا يتخذ فنّ وعي الذات بتاريخها وثقافتها باعتبار أنّ: “الثقافة ذلك المركب الكلي الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات وأي قدرات وخصال يكتسبها الإنسان نتيجة وجوده عضوا في المجتمع”. بتعبير تايلور. وهذا لا يختلِف عن تصوّر Clifford Gertez حيث يعتبر أن مفهوم الثقافة مفهوما سيميائياً، وأن يُنظَرُ إليها كشبكات رمزية وأن تحليلها يستوجب علما تأويليا يبحث عن معنى”، من هذا المنظور للثقافة نكون أمام مفهوم الحوار.
الحوار باعتباره مكوّنا رئيسا للتواصل الفعّال وتحقيق حياة جيّدة.
معلوم أن الإنسان كائن لغوي اجتماعي، فداخل اللغة يحيا وينمو معرفيا ويتطوّر ويطمح،..إلخ. فلتحقيق تواصل فعّال وجب استحضار قانون الحوار الفعّال الذي حدده محمد عابد الجابري في أربعة مقومات وهي: العقل والحرية والتسامح واحترام الآخر ولوكان رأيه مخالفا لرأي الذات”، وعليه، فهذه هي المرتكزات الرئيسة لتجاوز الدرجة الصفر من التواصل.
فالذات في الدرجة الصفر من التواصل، تقول: أنا لا أرفضك ولا أكرهك، ولكن دعني في الحضور من درجة الصفر، وهو حضور سلبي.
فمن خلال مفهوم الحوار كإحدى آليات التواصل الفعال: نتبين أن الجابري يربطه بالتفكير بهدف التعرف على ما يشغل فكرا آخر. والتفكير مهارة. إن الحوار هو تفكير يجري بين اثنين والهدف منه هو “التفاهم”، أن يفهم كل طرف الطرف الآخر. فالحوار وسيلة للتواصل بين فكرين، بين إنسان وآخر، لا يجمعهما إلا كونهما يرميان إلى تحقيق التواصل بينهما على المستوى الفكري”
وهنا نكون أمام حالة الفكر وهو إنتاجية للعقل: “فالعقل لا يعمل من فراغ وفي فراغ، بل يرتكز على التاريخ” بتعبير عبدالله العروي.
وعليه، فالثقافة والتاريخ ليس هما ركائز التواصل الفعاّل، بل هما شكله في الوقت ذاته، فالعلاقة إثنانية تناظرية تفاعلية، إضافة إلى مكوِّن العاطفة، ولنا في تواصل الأمّ مع ابنها كيف للعاطفة تسيطر على العملية التواصلية بالرائحة والأحاسيس واللغة الطبيعية.
التواصل والإنسان والمُكوّن العاطفي.
فقط أشير وباختصار شديد وسأمُر إلى: “التواصل والطالب الجامعي باعتباره مشروعَ باحثٍ”.
معلوم أن الثقافة والتاريخ يتحققان بوجود الإنسان، فلا حديث عن تاريخ أو ثقافة خارج وجود الإنسان، فهما إحدى المبادئ الرئيسة لحفظ الذات الإنسانية من التمزق الثقافي والعاطفي والنفسي. فإلى جانب المقولات الأربعة التي يرتكز عليها الحوار، يحضر العامِل العاطفي للذات باعتبار أن الإنسان كائنٌ عاطفيٌّ، وعديدة هي تواصليات العاطفة التي تعطلّت فيها اللغة الطبيعية وحضرت بقوّة لغة العاطفة والأهواء والأحاسيس وحركات الجسد وإيماءاته وحالات سيماته والرائحة واللباس وأشكال الابتسامات والإشارات، فالعاطفة لغة رمزية. وهنا نكون أما تواصل رمزي فعّال.
“لكلِّ مقام رمزيته ومقياس عاطفته”.
التواصل الفعّال والطالب داخل الحياة الجامعية.
كيف هي الحياة الجامعية إن لم يكُن لها معنى، ومن ثمّة تقطع مع كل أشكال اللا-معنى، أي اللا-علم، ومعلوم أن العلوم في شموليتها تروم تحقيق المعنى، وهنا الطالب-الباحث في مساراته بحثا عن المعنى يتعرضُ لنوع من الصراع بين المُحفز واللا-محفز داخل العملية التواصلية ومهاراتها لتحقيق تواصل جيّد/ فعال وفق ممكنات واقعه الدراسي الآني، حيث يكون أمام رهانين ولا ثالث لهما: كما حددهما (كلود ديفيريو)
التواصل دون رهان: شيء أو حديث عابر لا هدف له. أي اللا-معنى.
التواصل مع رهان: موقف يشترط الإقناع، التفاوض، التأثير، ويتوقف على احترام قواعد الإعداد والفهم والتحليل. أي التدرُّج في تحقيق المعنى.
نتبيّن أن التواصل مع رهان يستحضر ست مهارات وقد يزيد. عموما، نستضيح أن الفاعلية هي التواصل مع رهان، وفق عناصره، مما يتطلَّبُ من الطالب تجاوز أمكنة اللا-تواصل والرفض والتشتت، وعليه يكون الطالب بالضرورة أمام حالة المنهجية التي سيؤسس عليها مساره التواصلي الفعّال وهذه بعضها كالآتي:
تحديد هدفه بدقة، حيث إن الغموض يفضي إلى التشتت والتيه وفقدان آلية التواصل، بمعنى سؤال: ما الذي أرغب أو أريد تحقيقه؟
تحديد تلوينات الكلية بدءا من المدخل الرئيسي إلى مختلف مرافق الكلية، تلّمس فضاءات الكلية ظاهريا وعاطفيا واستحضار التركيز داخل أمكنة الدروس، وهذا شكل تواصل غير لفظي، انخراطه في الأندية الثقافية والفنية والإبداعية لتطوير مهاراته، أيضا انفتاحه على الفضاء الحقوقي للطالب.
تحديد حاجاته بناءً على خلفياته المعرفية والثقافية وانفعالاته وراهنية واقعه.
تحديد مسافات التواصل التي تختلف باختلاف الذات في علاقتها بالآخر واختلاف الثقافات والسياقات التواصلية وطبيعة العلاقات. هذه المسافات كالآتي: (مسافة حميمية، Distance Intime/ مسافة شخصية distance personnelle/ مسافة اجتماعية Distance Sociale/ مسافة عمومية Distance publique.
إن فهم تقنية المسافات يُفضي إلى صياغة منهجية لبناء تواصل فعال، لأنها تعزز الثقة بين الأنا والآخر وتُسهِم في تجويد الشعور بالراحة والاحترام والتقدير، وتقيم حوارا غير لفظيا مع الآخر قبل بدء التواصل اللفظي، حيث إن الجسد هو علامة ثقافية في المقام الأوّل، بتعبير كليفورد غيرتز في مُؤلفِه تأويل الثقافات.
إذن، فالطالِبُ مهما بلغت به الحيرة فهو في بحث مستمر لامتلاك مهارات ذاتية وحياتية لتحقيق تواصل جيّد ومن ثمّة تحقيق أهدافه.
خاتمة متفائلة على سبيل الحلم.
لَكم أعجبتني كثيرا خلاصة كتابه الإيديولوجيا العربية المعاصرة، حيث يقول عبد الله العروي: في الصفحة الأخيرة، بعدما فصّلَّ الكلامَ فيما يُباعِدُ اليومَ العربَ عن الغربِ:
“… وَلِمَ لا نَحلُم بوضعيةٍ أحسنَ مِن التي نعيشُها اليومَ؟”
وفي سياق الحلم دائما طبعا حلم ذات يَقِظَةٍ وليس حُلم ذات نائِمَةٍ في الدرجة الصفر.
فلتكن، إذن أحلامنا، أحلام تواصل فعّال يروم تحقيق أفعال-قيمة، وكسب رهانات مستقبلية جيّدة.
أحلام قلوبنا تلك الأحلام الطفولية الكامنة في أعماق دواخلنا، فلنحقق تواصل فعال داخلي مع ذواتنا أوّلا ومن ثمّة تحقيق تواصل فعال وعميق داخل كليتنا، جامعتنا، مدينتنا، وطننا وأيضا الآخر، فالآخر مهما يكن ليس عدوّا ولا شبحا، نحن فقط ما إن قطعنا مع الطفل الذي يسكن بداخلنا انقلبنا إلى عداء أنفسنا/ ذواتنا فانقلبت علامات تواصلنا إلى الدرجة الصفر من التواصل، وهي درجة حالة برودة التخييل الخلاّق وانعدام الإبداعية والإنتاجية المعرفية الإنسانية وانعدام المهارات الذاتية والحياتية.
الكُتاب والعلماء العظماء ما إن راموا الاختراعات والابتكارات والكتابة الفكرية أو الفنية الإبداعية التواصلية الفعالة مع القراء رفعوا سقف استحضار طفولتهم باعتبارها براءة وطهارة ونقاء داخلي وتوازن نفسي.
فعظماء الفكر والفن الإنساني دائما أطفال ولو تقدم بهم العمر.
فمن خلال الأحلام والتطلّعات والمهارات الجميلة وأخلاقيات الحياة، انبثقت مشاريع التواصل الفعّال.