الفنان المغربي سعيد أوعطار حين يفتح اللون عينيه في باريس (صور)

الخط : A- A+

حين تتقدم نحو حي الماريه، تشعر كأن باريس تنفض غبار القرون لتدخل في زمن آخر، زمن يخلط التاريخ بالحداثة، والرهافة الفنية بالحياة اليومية التي تنبض خلف كل حجر. الماريه هو أحد أعرق أحياء العاصمة، بعماراته البارونية الهادئة، وأزقته المرصوفة التي ما تزال تحفظ وقع خطى العابرين منذ القرن السابع عشر. هو حيّ يشبه متحفا مفتوحا؛ فيه تتجاور بيوت النبلاء القدامى مع صالات الفنون المعاصرة، ويتنفس الماضي عبر نوافذ تطلّ على الحاضر بكل جرأته وأناقة تمرده.

هنا، في هذا المكان الذي يختلط فيه وقع التاريخ بنبض الفن الحديث، يستعيد الماريه دوره كأحد أهم مراكز الفن العالمي؛ مثل الذي يحتضن متحف بيكاسو، تجعل منه محطة أساسية لمحبي الفن وللباحثين  التجار بالجديدة. إنه حيّ يتيح للفن أن يتنفس بحرية، ولذلك لم يكن غريبا أن تختاره Rare Gallery ليكون فضاء استقبال لوحات سعيد أوعطار، فالماريه بطبيعته فضاء يولد فيه الجمال كما لو أنه قدر يومي.

في قلب هذا الحي، بين أزقة تعرف سر الخطوات القديمة وهواء يحمل ظلالا لذاكرة، يعبر الفنان المغربي سعيد أوعطار كأنه يحمل أطلسا صغيرا فيكفيه، وكأن في عينيه ممرا سريا تتدفق فيه مياه الوديان التي لا تنام. جاء من وادي آيت بوغماز حاملا ركام الطفولة في جيوبه، ونشيدا حجريا في أنفاسه، لكنه ما إن يلمس القماشة حتى يتحول هذا الركام إلى كائنات من وهج ورعشة ونفس موسيقي.

لم يعد يرسم العالم، بل ينزل إلى قعره. يترك الأشكال كي يفتش في ما وراء حدودها، ويتخلى عن الوجوه كي يصغي لارتجاجها الخفي. ما يعرضه اليوم في باريس ليس لوحات، بل ارتعاشات بشرية، خلاصات لا يمكن لمسها إلا بالحدس؛ كأن القاعة نفسها تتسع لتحتضن حياة أخرى تتحرك في صمت تحت السطح.

من منتصف نونبر حتى نهاية دجنبر، يتحول فضاء Rare Gallery إلى طقس متعدد الطبقات: لوحات وصور وفخار وموسيقى ومسرح وفلسفة. يبدو المعرض كوكبا صغيرا يدور حول فكرة واحدة: أن الفن هو اللغة الأخيرة القادرة على إنقاذ الإنسان من نفسه. في هذا الكوكب تحضر أصوات عالمية وتجارب مختلفة في احتفال روحي واحد، بينما تقف لوحات سعيد أوعطار في المركز كقلب لا يتوقف عن ضخ اللون، حمى لونية، عواصف رمزية، ونبض تجريدي يتأجج كأنه يتبع موسيقى لا يسمعها سوى الفنان نفسه.

لا يرسم الوجوه بل يعيد ولادتها. يمحو زمنها ليرى ما قبله، يصدع هدوءها ليكشف ما يختبئ تحته، يعجن ملامحها بتراب الذاكرة حتى تنهض منها روح قديمة تحدق فيك كما لو أنها تعرفك منذ زمن بعيد. هو لا يرسم ما يراه، بل ما يهجم عليه من الداخل. خطوطه هزات لجسد يحاول استعادة حلم بعيد. النقاد يسمونه شاعر اللون، لكنه في العمق ساحر الجرح: يلتقط الألم كما لو أنه طائر صغير، يربت عليه قليلا، ثم يطلقه في الهواء ليترجم نفسه على اللوحة.

وبروكسل كانت محطة أخرى في هذا الارتحال. في برنامج Parcours d’Artistes، تحولت ممرات مولنبيك وسيمونيس إلى نوافذ مفتوحة على شعور بلا اسم. دهش النقاد، وحيا العمدة ذلك الحضور المغربي الذي جاء بثلاثة وجوه وثلاثة قلوب، ناسجا درسه في التعدد وفي حكمة أن يعيش الإنسان بأكثر من وجه واحد دون أن يفقد نقاءه. في بروكسل كما في باريس، يقف أوعطار كآخر الرواة: يحكي باللون ما تعجز عنه اللغة، يكتب بالفرشاة ما لا تستطيع الكتب حمله، ويطلق من كل لوحة صرخة هادئة لايسمعها إلا من يعرف أن الفن يمكن أن يكون صلاة.

في أعماله موسيقى خفية، تشبه نبضا قديما بين الأصابع. لا غرابة أن يشبّهها النقاد بقطعة جاز في غرفة معتمة أو بقصيدة واقفة على حافة البكاء. يرسم كما يغني الطائر: بلا خوف، بلا قواعد، وبلا رغبة في إرضاء أي شيء سوى الحقيقة التي تضج داخله. كل لوحة طقس صوفي: مواجهة بين الحركة والسكون، بين الضوء والظل، بين النفس والصدى، حتى تتحول القماشة إلى ساحة صغيرة للكون.

في Rare Gallery، لا يُعرض أوعطار، بل يُكتشف من جديد. يقف الزوار طويلا امام لوحاته، كأنهم ينتظرون أن تهمس لهم بشيء. بعضهم يغمض عينيه ويعود لفتحها كمن خرج من نفق داخلي لم يعرف أنه يحمله. ذلك لأن أعماله ليست لوحات بل مرايا للروح، مرايا تكشف المخفي وتكسر الظاهر.

سعيد أوعطار ليس فنانا ينسق الألوان، بل رجل يعلق حياته على القماشة. يضع روحه كما هي: مغسولة بالطفولة، مثقلة بالذكريات، مشتعلة بالفرح والهلع والدهشة. وفي باريس، حيث تتقاطع الأنفاس الأوروبية بالمغاربية، يأتي أوعطار ليقول بلغة لا وطن لها:

إن الإنسان أوسع من حدوده، وإن اللون أبعد من الخرائط، وإن الفن هو الطريقة الأكثر سرية لنقول للعالم من نكون.

إقرأ الخبر من مصدره