بوغطاط المغربي | تسريبات جديدة تكشف الوجه الكامل لهشام جيراندو وتفضح جرائمه السيبرانية العابرة للحدود

Écrit par

dans

الخط : A- A+

في الأيام القليلة الماضية، تفجّرت سلسلة من التسريبات الخطيرة التي أعادت تشكيل الصورة الحقيقية لهشام جيراندو، الهارب إلى كندا والمدان بالإرهاب في المغرب. فقد أظهرت المقاطع المسرّبة تفاصيل صادمة عن شبكة الارتزاق والابتزاز التي يديرها من خلف الشاشة.

تسجيلات توثق مساومات مالية مع تجار مخدرات لصالح منافسين لهم مقابل حذف فيديوهات، واتفاقات غامضة على “نِسَب” محددة من الأرباح، وادعاءات بامتلاك نفوذ لحذف شكايات من النظام القضائي. تسريبات أخرى كشفت تلقيه تعليمات من شخص ينتحل صفة موظف في المخابرات، مدان بالسجن مؤخرا، يوجّهه لحذف مقاطع مقابل مبالغ مالية أو مقابل خدمات محددة، من ضمنها مهاجمة مؤسسات الدولة بمعلومات مغلوطة، في مشهد يفضح كيف تحولت قناته إلى واجهة رقمية لتصفية الحسابات وتنفيذ أوامر مدفوعة الثمن.

هذا السقوط المدوي لم يأتِ من فراغ، بل تتويجا لمسار طويل من الجرائم التي تراوحت بين التشهير، التحريض، الابتزاز، وغسل الأموال. هشام جيراندو، الذي بنى لنفسه صورة “محارب الفساد”، استغل الفضاء الرقمي لتأسيس مشروع إجرامي منظم، يبيع “الخدمات الإعلامية” لمن يدفع أكثر، ويبتز من يرفض الدفع عبر حملات تشهير منظمة.

القضاء المغربي أدانه بوضوح بتهم ذات طبيعة إرهابية، فيما أكدت المحاكم الكندية تورطه في التشهير وازدراء القضاء، بعد أن تحدّى أوامرها علنا وأعاد نشر فيديوهات حُكم بحذفها. ورغم هذه الأحكام، لا يزال يستفيد من هشاشة الردع في النظام الكندي الذي يسمح لمجرم مدان أن يواصل نشاطه بلا خوف من الملاحقة الفعلية.

وخلال الأشهر الماضية، أطاحت أجهزة إنفاذ القانون المغربية بعدة وسطاء متورطين في شبكة جيراندو، بعضهم كان يلعب دور “الحلقة المالية” في تحصيل وتحويل أموال الابتزاز. من بينهم سيدة مقيمة في كندا تم توقيفها فور وصولها إلى الدار البيضاء، بعدما ثبت أنها كانت تنفّذ تحويلات مالية لصالحه. لكنها لم تكن الأولى ولا الوحيدة، إذ تؤكد التحقيقات الأمنية أن الشبكة تضم عددا من المتعاونين والميسّرين داخل كندا وخارجها، يعملون على استلام الأموال وتوزيعها بطرق معقّدة تمرّ عبر وكالات قانونية وشركات وهمية.

هذه البنية المتشابكة تُظهر أن جيراندو لا يعمل كمحتال فردي، بل كزعيم خلية سيبرانية تستغل الثغرات القانونية في كندا لممارسة جريمة منظمة عابرة للحدود. أما الجانب الأخطر فيكمن في البنية التقنية والإيديولوجية للمشروع. فصفحة “tahadi.info”، التي يبث عبرها جيراندو فيديوهاته، ثبُت أنها كانت تُدار جزئيا من داخل إيران، الدولة التي تصنفها كندا رسميا “راعية للإرهاب”. هذا الارتباط التقني والاستخباراتي الموثّق لا يطرح فقط مسألة استغلال التراب الكندي كمنصة دعائية ضد المغرب، بل يثير أيضا شبهة اختراق أجنبي للفضاء الإعلامي الكندي ذاته.

الأخطر أن المحتوى الذي يقدّمه جيراندو لم يعد يقتصر على التحريض ضد شخصيات مغربية، بل اتخذ طابعا متطرفا صريحا،يهاجم فئات دينية وعرقية وجندرية. ففي أكثر من مناسبة، حرّض على الكراهية ضد اليهود، وأهان المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء، وسخر من النساء بخطاب إقصائي عدواني. هذا المحتوى يُصنَّف في التشريعات الكندية نفسها كجريمة تحريض على الكراهية، ومع ذلك لا تزال حساباته ناشطة دون أي تدخلصارم وحازم من السلطات أو المنصات.

هذه المفارقة تُعرّي ازدواجية خطيرة في التعامل الكندي مع الجريمة الرقمية. فبينما تُشدد أوتاوا رقابتها على قضايا بسيطة تتعلق بخطاب الكراهية الداخلي، تلتزم صمتا مريبا عندما يصدر التهديد من أحد مواطنيها ضد دولة شريكة كالمغرب أو ضد فئات دينية وإثنية. صمتٌ لا يمكن تفسيره إلا كنوع من التواطؤ غير المباشر أو التساهل الانتقائي، وهو ما يشكل تهديدا لسمعة كندا كدولة قانون تحترم المواثيق الدولية.

لقد تحوّل هشام جيراندو إلى نموذجٍ فاضح لما يمكن تسميته بـ”الإرهاب السيبراني المموّل”، حيث تتقاطع الجريمة المنظمة مع التطرف الرقمي في جسد واحد. يجمع بين الابتزاز المالي وخطاب الكراهية والتضليل السياسي، ويستغل الثغرات القانونية الكندية كدرع واقٍ للإفلات من العقاب. ومع كل تسريب جديد، تتضح خيوط الشبكة أكثر، وتتأكد خطورة هذا النمط من الإجرام الذي لا يستهدف أشخاصا بعينهم فحسب، بل يهدد الأمن الرقمي والمجتمعي على نطاق واسع.

إن استمرار صمت السلطات الكندية تجاه هذه الوقائع، رغم الأدلة العلنية والأحكام القضائية، يضعها أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بسيادة القانون. فالقضية لم تعد تخص المغرب وحده، بل أصبحت تمس سمعة كندا كدولة مؤسسات. فإذا كانت الديمقراطية الكندية تُبنى على حرية التعبير، فإنها اليوم مهددة بأن تتحول إلى حصن لمن يمارس الفوضى باسمها. أما هشام جيراندو، الذي حاول طويلا الاحتماء بخطاب المظلومية، فقد أصبح عنوانا لجريمة متكاملة تجمع بين التطرف السيبراني، والجريمة العابرة للحدود، وارتزاقٍ لم يعد قابلا للتستر بعد الآن.

إقرأ الخبر من مصدره