أثارت الأزمة التي تسبب فيها الرئيس التونسي أثناء استقباله لزعيم جبهة البوليساريو الكثير من التحاليل الإعلامية على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.
ولعل من أبرز المواقف التي استبق إليها موقع “برلمان.كوم” وتناولتها بعده عدة منابر ووسائط إعلامية هو تقاعس بعض سفرائنا عن التحرك بنجاعة في الوقت المناسب، وذلك منذ أن أدلى قيس سعيد، قبل سنتين تقريبا بمواقف غير مطمئنة بخصوص علاقاتنا معه، ومنذ أن أبدت تونس موقفا غير مريح للمغرب في مجلس الأمن الدولي، ومنذ أن جلس الرئيس قيس سعيد إلى جانب الدمية إبراهيم غالي، زعيم الجبهة في الجزائر. ومن تم ظلت كرة الثلج تتدحرج وتكبر، والسفير المغربي حسن طارق إليها ينظر، فاغرا فاه، وكأن يديه مكتوفة ولسانه مخدر.
نعم لقد قلناها ونكررها، ونعيدها مرارا، سيرا على قول الشاعر الكبير المتنبي:
أعيذها نظرات منك صادقة.. أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
إن ما نراه من تورم الدبلوماسية المغربية ليس بالضرورة شحما وبدانة، بل قد تكون أوراما سرطانية خبيثة وقاتلة لعلاقاتنا مع الكثير من الدول، ولعل من عوامل هذا التدهور الصحي جانب من الإهمال والتراخي وسوء التقدير، الناتج أحيانا عن سوء تعيين سفراء بمعايير مناسبة لعلاقاتنا مع العديد من الدول.

وهاهي إنجلترا ذات التاريخ العريق، والعلاقات المتميزة مع المغرب، لم تحرك ساكنا بخصوص مقترح الحكم الذاتي، رغم تكاثر المواقف المرضية وتعددها داخل محيطها الأوروربي. هاهي إنجلترا وقد انبرت جانبا تحدق بعينيها إلى المواقف الألمانية والهولندية والإسبانية والصربية والمجرية والرومانية، وهي لا تريد أن تهمس ببنت شفة بخصوص مغربية الصحراء، وكأن الذي أخرس دبلوماسيتها عن الكلام استصغار المغرب لحجم تمثيليته الدبلوماسية لديها.
كيف لا وإنجلترا تستقبل اليوم سفيرا صغيرا في السن وفي التجربة والمعارف، وهو إطار مغربي في طور النمو والترعرع، فيما علاقاتنا مع المملكة المتحدة ليست قيد النمو والتطور. ولعله سيجالس غدا أعضاء من مجلس اللوردات وآخرين من الحكومة، وكبار المسؤولين والخبراء، الذين تمرسوا لسنين عديدة في التسيير والحل والتدبير، فتراهم غدا حائرين في أمر هذا الاستصغار الدبلوماسي الذي قام به المغرب، لا لشيء إلا لتطييب خاطر أب سفيرنا الصغير السن الذي ليس سوى شيخ أعضاء الحكومة وأكبرهم سنا وهو الأمين العام محمد الحجوي.

إنها بريطانيا ياناس وليست أي دولة!! وإذا كان ولابد من إرضاء الأمين العام للحكومة، فليكن بتعيين ابنه في الموزمبيق أو بلد بعيد، لا تربطنا به قواعد وضوابط وطقوس وعادات وتاريخ وحضارة وشروط ومستلزمات وسلوكات تستوجب “ألف تخميمة وتخميمة ولا ضربة بمقص”.
ما عسى هذا الشاب أن يكون فاعلا أمام أعضاء السلك الدبلوماسي العالمي، وكل واحد اختارته بلاده بعناية كبيرة ليكون سفيرا بإنجلترا، بل لعل الأغلبية القصوى قد تم اختيارها بتفحص وإمعان وتدبر، لتكون في مستوى تجربة بلد المملكة المتحدة، وتاريخها المتجذر عبر العصور. ومالم يكن السفير هناك على دراية كبرى بطقوس هذا البلد ولوازمه، فلا يجب أن تطأ رجلاه سفارة من السفارات الكثيرة، كمعين في حضرة سلكها الدبلوماسي العتيد. فما عسى حكيمنا الصغير أن يفعل وسط هذه الجبال الشامخة؟ وكيف سيتحرك؟ أو على الأقل كيف سيقبض الشوكة والسكين أمام أنظار هؤلاء المتفحصين أثناء مأدبة أو نشاط لتمثيل بلده؟.

دعونا إذن نندب حظ صورة وطننا في ما آلت إليه الأمور من استهانة واستصغار للمواقع والمناصب والمسؤوليات. نعم، دعونا نستعرض وجوه السفراء المعينين في إنجلترا، أو نراجع خبراتهم وتجاربهم، وقد رأيناهم في أكثر من نشاط رسمي أو احتفالي، وكل منهم يجر وراءه تاريخا من المعرفة والتجارب، وسنين من الممارسة والتمرس، إضافة إلى سجل غني بالعلاقات والمعارف التي يمكن استخدامها أثناء التحرك لتكوين لوبيات تجارية أو استثمارية أو سياسية لصالح بلده…

دعونا أولا نتعرف على السفير البريطاني في المغرب الذي اختارته بريطانيا بعناية ليخلف السفير المتميز والكاتب المتألق توماس رايلي، العارف بتاريخ منطقة المغرب العربي. إنه السفير الدبلوماسي عاشق الأذواق والتقاليد والحضارات سايمون مارتن، وهو المعروف بولعه بالثرات وبالتقاليد والطقوس المغربية، وله في ذلك كتابات وأنشطة وتحركات.
ويكفي أن نقارن سن سفيرنا في بريطانيا حكيم الحجوي، بعمر تجارب سفير بريطانيا في المغرب سايمون مارتن الذي التحق بالخارجية للعمل بدواليبها في السنة نفسها التي ولد فيها سفيرنا حكيم الحجوي أي سنة 1983… ياسلام سلم ياسلام…
ومن يومها انطلق السفير البريطاني في اكتساب التجارب والمعارف، بينما كان سفيرنا في المغرب يتعلم كيف يمتص الحليب من زجاجة الرضاعة، أو يتسلى بمطاط اللهاية في فمه، في شقة بحي أكدال، غير بعيدة عن مدار مستشفى ابن سينا، وكان والده حينها أستاذا مساعدا بالمدرسة الإدارية، بينما والدته طبيبة منشغلة بنوعية الحليب المناسب لطفلها..

هكذا يجب أن نقيس الأمور حين يتعلق الأمر بتعيين سفير صغير السن في دولة كبيرة السن والتاريخ والحضارة، وتملك صحافة قوية الملاحظة، وخبراء ومحللين متمرسين. أما السفير الإنجليزي في المغرب سايمون مارتن، فقد عمل في عدة مناصب سياسية وتجارية في لندن، وفي عدة عواصم أخرى، ومنها براغ وبودابست ورانغون، والمنامة التي عمل بها سفيرا قبل أن يلتحق بالمغرب.
ولكي نقارن الأمور بما يجب من جدية في التحليل والتدقيق تختلف كليا عن انعدام الجدية في التعيين الذي نحن بصدده، نشير أيضا، ونحن في أوج الحشمة والخجل، أن السفير سايمون مارتن شغل أيضا مديرا للمراسيم البروتوكولية بوزارة الخارجية البريطانية، وما أدراك ما وزارة الخارجية بالمملكة المتحدة. وبعد أن تمرس واشتد عضده، عين نائبا للسكرتير الخاص لولي العهد الأمير ويلز ودوقة كورونول، وهو منصب خول له أن ينكب على أمور حساسة ترتبط ببروتوكولات العائلة المالكة في بريطانيا، بل جعلاه يتعب ويسهر ليلا ونهارا لدراسة تاريخ وخصوصيات الدول العربية ومنها المغرب، كلما كان أحد أفراد العائلة الملكية يستعد لزيارة رسمية أو شخصية لهذه الدولة أو تلك…
ولن نخفيكم شيئا، قراء هذا المقال، إذا قلنا لكم إنه قبل أن يلتحق حكيم الحجوي، معززا ومكرما، بأول منصب إداري في حياته المهنية سنة 2008، كان سايمون مارتن قد أنهى مشوارا طويلا من المناصب والمسؤوليات، ومنها أيضا ما هو مرتبط بالجانب الأمني في إدارة التنسيق الأمني لوزارة الخارجية البريطانية، ثم بعدها رئيسا لقسم الشرق الأوسط ولوكربي في وزارة الخارجية ..وبمناسبة ذكر بلدة لوكربي، ومن باب الطرفة والتذكير نخبر السيد حكيم الحجوي أن سنة التحاقه بالعمل الإداري هي نفسها السنة التي سقطت فيها طائرة “بان امريكان” فوق لوكربي وقد توفي في هذا الحادث المأساوي 270 راكبا، واتُهمت الاستخبارات الليبية بتدبيره، قبل أن يوافق، فيما بعد، الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتعويض الضحايا أجمعين.
وطبعا فما ذكرناه هو اليسير من الشيء الكثير، في رحلة المقارنة بين سفير المملكة المتحدة في المغرب وسفير المملكة المغربية في بريطانيا، الذي فتشنا في سيرته مليا، فلم نجد ما يستدعي الذكر في سر اختياره لشغر هذا المنصب السامي، الذي يبدو أنه أكبر بكثير من سنه وتاريخه وتجاربه.
أما وإن أردنا أن نضيف إلى جعبة المقارنة شيئا من التشييء، فيكفي أن ذكاء السفير البريطاني جعله ينشر بتاريخ 24 يونيو 2021 تغريدة على صفحته بـتويتر، يخبر فيها أنه يتطلع للاحتفال بعيد ميلاد جلالة الملكة، بمفاجآت رائعة للاحتفال بهذا اليوم، وقد ترك السفير حينها جميع من قرأ التغريدة، يخمن فيما تكون تلك المفاجآت، وذهبت الأغلبية القصوى من المحللين إلى أن الأمر يتعلق بمغربية الصحراء …وانتظرنا وانتظر المحللون، وقد انتهت الاحتفالات بعيد ميلاد الملكة، ولم ينته انتظارنا.
وبمناسبة احتفال بريطانيا بالذكرى 70 لحكم الملكة إليزابيث الثانية صرح نفس السفير أن بلاده تثمن جهود المغرب الجادة وذات المصداقية، للتوصل إلى حل لملف الصحراء المغربية…وهو تصريح موزون بكل موازين القواعد التواصلية في التأني واستشراف الخلفيات.

وفي صورة غير مسبوقة، فرضتها الظروف الصحية أجرى سفيرنا المفوض فوق العادة، محادثات عن بعد، بتاريخ 16 يناير 2022، مع نائبة مدير البروتوكول بوزارة الشؤون الخارجية البريطانية، السيدة أليسون ماكميلان، التي قدم لها نسخا من أوراق اعتماده. وبشكل افتراضي وغير مسبوق في تاريخ العلاقات والبروتوكولات بين البلدين، قدم حكيم حجوي، يوم الخميس 24 مارس، بلندن، أوراق اعتماده للملكة إليزابيث الثانية كسفير مفوض فوق العادة للملك لدى المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية.
إلا أن أجمل خرجة مثيرة للانتباه جاءت بتاريخ 16 فبراير 2022، ولعلها تحمل في طياتها رسائل لكل مهتم أو متدبر، حين قرر السفير الإنجليزي أن يلبس عباءة الحكواتي وتقمص دور صناع الفرجة، في ساحة جامع الفنا بمراكش، ليحكي للمتحلقين حوله جانبا من تاريخ بلاده من علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع المغرب، وكأنه يبعث بهذا الفعل الحضاري عدة ورقات احتجاجية وإشارات تنبيهية، وإن كانت مؤدبة، إلى المسؤولين في المغرب ومنها: تعالوا لتقارنوا بين كفاءة ونضج سفير وطراوة وليونة سفير آخر …تعالوا لأدرسكم بأسلوب الحلقة علم القواعد والضوابط والتاريخ…تعالوا لنحول سمو الدبلوماسية إلى فرجة بجامع الفنا، مادمتم أنزلتموها إلى أسفل سافلين….
ولكن المثير أيضا، أن ما توقعناه أثناء تعيين السفير الأصغر سنا في السلك الدبلوماسي، وهو من باب سخرية الأقدار ابن الوزير الأكبر سنا في الحكومة، قد حصل بالفعل مباشرة بعد اندفاع السفير في أنشطة يغلب عليها الطيش قبل تسليم أوراق اعتماده للملكة، وهاهي ردود فعل الكثير من الفاعلين السياسيين والناشطين الافتراضيين تنطلق ساخطة عن المغرب وسفيره حينما جهر هذا الأخير بنشر صور مثيرة للسخرية عبر صفحاته الرسمية بتويتر، فظهر أولا وهو يتناول الغذاء مع سفيرة إسرائيل في بريطانيا تويبي هوتوفيل المعروفة بمواقفها المتطرفة، وبينما ظن سفيرنا، صغير السن وضعيف التجربة، أنه بنشر هذه الصور يخدم العلاقات المغربية الإسرائيلية، لم يفهم للأسف أنه يسيء لهذه العلاقات، وبذلك أثار سلوكه موجة من السخط العارم بين الجالية المسلمة بإنجلترا التي طالبته بأن يحترم دولته ومهمته، وأن لا يكثر من التباهي، ما دامت مهمته دبلوماسية وليست سينمائية لالتقاط الصور والتباهي بالحفلات..بل إن شطحات السفير الصغير تسببت في حملة عارمة بالإنجليزية تحت شعار:”shame on you” والتي يمكن ترجمتها إلى الدارجة بـ: “احشم على عراضك”.. كما تسببت صور أخرى يمكن نعتها بالمراهقة والعبثية في إثارة حملة من الدروس الدبلوماسية والبروتوكولية على سفيرنا ودبلوماسيتنا تحت شعار: علموا سفراءكم قبل إرسالهم إلى دول أخرى.. ومن المواطنين من تساءل هل مثل هذا السفير قادر على الدفاع على مغربية الصحراء؟ وهل كفاءته الدبلوماسية ستمكنه من عدم إغضاب الدولة التي عين بها؟ ومنهم من نبه السفير بأن مهمته الدبلوماسية تفرض عليه أن لا ينشر كل شيء، وألا يكتب كل شيء، وأن لا يغرد بكل شيء، وأن يكتفي أحيانا بإخبار وزيره أما الرأي العام فلا تهمه تلك الأنشطة، وألا يظهر بمظهر العابث وغير المبالي، وأن لا ينشر إلا الصور الواضحة الرسائل…بل إن منهم من طلب منه إخبار رئيسه وزير الخارجية أولا قبل الاندفاع المبالغ فيه في نشر الصور، ومنهم من أفهمه العديد من الأخطاء البروتوكولية مع أحد ضيوفه بحيث تقدم بخطوات أمامه في الصورة، علما أن البروتوكول يفرض عليه أن يتراجع قدما ويضع الضيف أمامه أثناء التقاط الصورة. كما أن الشاب الصغير التقط لنفسه سيلفيات كثيرة كمثل سائح حل بلندن ثارة مع حرس القصر الملكي الإنجليزي، وثارة داخل الملعب حيث جرى حفل إحياء الذكرى السبعين لحكم الملكة إليزابيت الثانية، وها هو “برلمان.كوم” ينشر ضمن هذا المقال نموذجا لهذه الصور بهدف التوجيه وليس بهدف تبرير حكمنا على ضعف تجربة السفير.

وبالرغم من أن هذه الاستنتاجات لا تلزم سوى موقع “برلمان.كوم“، انطلاقا من غيرته على صورة هذا الوطن، فقد كان بودنا أن نجول بكم لنتعرف على سفراء بريطانيا في العديد من الدول، وقد هزتنا صورة السفير الإنجليزي لدى المملكة السعودية، سايمون كوليز، وهو يؤدي مناسك الحج، في صورة تؤكد أن بريطانيا اختارته لهذه المهمة، لأنه متشبع بتعاليم الديانة الإسلامية السمحة. بل كان بودنا أن نعطي لقارئنا صورة أخرى عن عينات السفراء المعينين لدى إنجلترا، لنوضح الفارق الكبير. ولكن، ونحن نتألم في تأملنا، فلنعد عليكم عنوان مقالنا الأخير الذي جاب كل مكاتب وأركان وزارة الخارجية ومصالحها في الخارج: “أزمة المغرب في تونس فرصة لإعادة النظر في معايير تعيينات السفراء“، ونختم بخاتمته في هذه الرحلة المقارنة، رحمة بقرائنا: “إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه من هذه الواقعة، هو أننا نعين سفراء لدى الكثير من الدول، ونخصص لهم جميعا ميزانيات محترمة، ولكن نكاد أن ننساهم إلى أن يحين وقت حركية جديدة للتعيينات…فهل ستساهم هذه الصفعة التي تلقيناها على الخد الأيمن، في إيقاظ الغارقين من سباتهم، أم أنهم مستعدون لإعطاء الخد الأيسر لصفعات أخرى؟
ولربما قد تأتي هذه الصفعة، لا قدر الله، من بعض العواصم الإفريقية الصديقة التي بدأت تشكو جهرا من شبه انقطاع التواصل مع حكومتننا ..وقد شاهدنا هذا الأسبوع استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لرئيس غينيا بيساو، أومارو سيسوكواومبالو، صديق المغرب والمدافع عن مواقفه، ويمكن قراءة هذا الاستقبال بما شئنا أن نقرأه به من إشارات غاضبة تنبعث بين الفينة والأخرى من هذه الدولة أو تلك.
هذا وإننا إذ لم نستعرض الجهود المحمودة التي يقوم بها العديد من سفراء المغرب في الخارج فلأن تلك الجهود هي جزء من صميم عملهم ومهامهم المستجيبة للقسم الذي أدلوا به أمام جلالة الملك.