
محمد براص
إبداع سينمائي بطعم تاريخي وحضاري مغربي
حين يطل الفن السابع على الحضارة المغربية بعيون الإبداع السنيمائي وروح الفعل الفكري الواعي بعراقة المغرب وأصالة تراثه بأي شكل من الأشكال، تُرسم في وجوه المغاربة تقاسيم الاعتزاز والفخر بمغربيتهم وانتمائهم إلى وطن مؤمن بمضامين الشخصية المغربية. تلك السمات والقسمات يرسمها الفيلم السينمائي “نوبة العشاق” للمنتج عبد المجيد البللوتي، والذي يُعرض حاليا بدور السينما المغربية، وتؤثثه مساهمة عدد من الفنانين المغاربة المجدين.
تنبثق فكرة الفيلم من استحضار عمق فني أصيل ثابت في وجدان المغاربة، مُتنقل عبر نوبات العشاق التي تعزف بروح مغربية أصيلة تحبل بقسمات الذوق الفني الرفيع المنبعث من وصلات الطرب الأندلسي المغربي العريق؛ وهو الطرب الذي يعبر بعمق عن ذلك الإحساس الجميل بروح النغم الموزون بموشحات الشعر المنظوم على قسمات هوية مغربية شامخة في الفن والكلمات والمعاني السامية، مزهرة بروح العشق والحب الذي بصم الكثير من نصوص التراث المغربي.
ينتقل مضمون الفيلم، بعد لونه الفني المسبق ذكره، عبر وصلات الطرب الأصيل إلى عمق إبداعي أعمق، يتمثل في الجمع بين موجبات العلاج النفسي ومسؤولية الطبيب الذي لا يعج بمرضاه في قفص الاتهام حتى ينهي مهمته الأخلاقية التي اشتهر بها الأطباء المغاربة خلال عصر الازدهار والتقدم، وهو العصر الوسيط، بل هو عصر الدولة المرينية التي اشتهرت بماريستاناتها المتقدمة على مستشفيات أوروبا خلال الزمن التاريخي الذي تستحضره أحداث ومحطات الفيلم عبر مشاهده الفنية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
يروم فيلم “نوبة العشاق”، في محاولة سينمائية جريئة ومُتفردة، الغوص في التاريخ المغربي عبر محطات تجمع بين الحضارة والرونق الجمالي للعمران المغربي الأصيل المزدان بألوان زليج عَطر بإبداع الصانع المغربي، مع نقل بعض معالم تلك الحضارة المغربية العريقة قدر الإمكان إلى المشاهد في عصرنا الحالي، ضمن قصة درامية تُسطر مسار جريمة قتل تشابكت أحداثها وكواليسها بين طموح إسباني وبرتغالي في الاستفادة معا من التقدم العلمي الذي شهدته المغرب خلال الفترة المرينية، والذي لامس منتج الفيلم عناصره من خلال إعطاء حضور قوي لصناعة الإسطرلاب المغربي الذي ذاع صيته بكل من إسبانيا والبرتغال ودول أخرى، حيث اجتهد الرحالة والمغامرون الأوروبيون لاقتنائه بأي ثمن. فكان للعالم المغربي مكانته في إنتاج المعرفة وبلورة أسسها وفق شروط أخلاقية تَنم عن صدق الطويلة وحسن التدبير.
لم يقف الفيلم عند هذا المستوى، بل استمرت “نوبة العشاق” في رسم خيوط العشق إلى درجة الولع والهُيام، حيث كان للعاشق الولهان بمعشوقته وبتقاسيم نوبات العشاق التي يحبل بها غنى الطرب الأندلسي قرار قاس على مصيره ومحتوم حبيبته، التي ودعها بأنامله وبلون الحُمق الذي أسبغت عليه أمطار الليل لوحة فنية هيامية، زاد من جمالها رنات صبيب منهمر في عتمة الظلام، وهي لوحة تستحق الفرجة والمشاهدة والتمعن في عمقها الفكري بين روحانية الإنسان والهوى والألم، وموشح التطبيب المغربي الأندلسي المزهر بالورود بين نوبات العشاق.
“نوبة العشاق” هي تجربة ستحمل ولا شك ما بعدها من الإبداع السينمائي المغربي، نحو تفكر أقوى في تراثنا المغربي الأصيل، وتفتح المجال لإطلالة الفن السابع المغربي بألوانه ومضامينه المختلفة على الحضارة المغربية العريقة، وما يحبل به تاريخ هذا الوطن من علم وعمران وفكر وانتصارات في معارك بطولية ظلت خالدة في تاريخ المغرب، بل في تاريخ العالم. فيلم يستحق المشاهدة والدعم، ففي ذلك دعم لتراثنا وإبداعاتنا التي بصمت الهوية المغربية الأصيلة، هي “تامغرابيت الحق”.
-مؤرخ مغربي، عضو لجنة التراث
إقرأ الخبر من مصدره