
مصطفى غَلمان
بين هيمنة السرديات الكبرى ومقاومة الوعي
الكتابة لا يمكن أن تصنف كمجال للاشتغال المعرفي المحايد أو عملية توثيق أرشيفية. إنها في العمق ممارسة سلطوية بامتياز. فالتاريخ لم يكن يوماً سرداً بريئاً للوقائع، بل ظل على الدوام مجالاً للصراع حول المعنى. والحال أننا نتساءل بإزاء ذلك: من يملك الحق في رواية الماضي؟ ومن يقرر أي الأحداث تُحفظ وأيها تُنسى؟. إن خطورة ما يسميه جاك غودي بـ”سرقة التاريخ”، تبرز أساسا في تحويل التاريخ إلى سلعة منهوبة تُعاد صياغتها وفق مصالح المهيمنين. وهي الظاهرة التي تتقاطع مع ما وصفه بول ريكور بـ”قتل الذاكرة”، حيث يُمحى الماضي محوا قسريا، ومع ما كشفه موريس هالفاكس عن كون الذاكرة جماعية، وبالتالي قابلة للاستلاب أو التشويه إذا ما خضعت لبنى الهيمنة.
“ما الذي وقع في الماضي؟” إذن، بل: “كيف يُكتب هذا الماضي؟ ولصالح من؟”. إن سرقة التاريخ قد تبدو للبعض خطأ معرفيا أو نقصا في التوثيق، لكنها فعلٌ من أفعال العنف الرمزي الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء. فكيف تتحول الذاكرة إلى موضوع للنهب والتلاعب؟ وبأي معنى يشكل التاريخ المسروق أو الذاكرة المقتولة أداة لإعادة إنتاج السلطة؟ وهل من الممكن استعادة الذاكرة والتاريخ في أفق تحرري، أم أننا محكومون دوماً بهيمنة سردية واحدة؟
تناول جاك غودي في كتابه “سرقة التاريخ” وبين كيف صاغ الغرب سرديته الكبرى عن التقدم والحداثة، من خلال إقصاء أصوات المجتمعات الأخرى. لم يكن الأمر مجرد قراءة انتقائية، بل إعادة صياغة شاملة للتاريخ البشري بحيث يُقدَّم الغرب باعتباره المركز والفاعل الوحيد، وتُختزل بقية الشعوب في الهامش أو في “الآخر المتأخر”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
تتحول الوقائع إلى “سلعة”، وتغدو الذاكرة الجماعية للشعوب مادة للتلاعب، حيث تُستثمر لتبرير الهيمنة أو شرعنة الاستعمار. إنها “سرقة” لأنها تنزع من المجتمعات حقها في أن تروي تاريخها بلسانها.
بول ريكور يوسع الأفق حين يتحدث عن قتل الذاكرة. فالذاكرة قد تُسرق، لكن الأخطر أن تُمحى بالكامل. وهذا ما يحدث عندما تُفرض سياسة النسيان القسري، سواء عبر الرقابة، أو إتلاف الأرشيف، أو فرض خطاب رسمي واحد يُقصي كل أشكال التعدد.
إن قتل الذاكرة لا يترك للإنسان حتى بقايا ماضٍ يمكن أن يقاوم بها. إنه نوع من الإعدام الرمزي الذي يفرغ الهوية من جذورها ويتركها رهينة للحاضر المصطنع.
يذكرنا موريس هالفاكس أن الذاكرة ليست شأنا فرديا، بل هي بناء اجتماعي تتشارك فيه الجماعة. الأمر الذي يساعدنا على فهم استلاب الذاكرة أو سرقتها، والتي لا يطال الفرد وحده، بل المجتمع بأسره. وعندما تُختطف الذاكرة، فإن الجماعة تُفقد قدرتها على إعادة تعريف نفسها، وتغدو هويتها مرهونة لرواية الآخر عنها.
إن أخطر ما في سرقة التاريخ هو أنها لا تكتفي بتزوير الماضي، بل تتحكم أيضاً في المستقبل، لأنها تُحدد للأجيال القادمة ما يجب أن يتذكروا وما يجب أن ينسوا. ومن منظور فلسفة السلطة (عند فوكو وبورديو مثلاً)، فإن التحكم في التاريخ والذاكرة جزء من استراتيجية السيطرة. فالعنف لا يدخل من باب المادة، إنه حقل رمزي يمارس عبر اللغة والمعرفة والخطاب. فحين يُعاد تشكيل التاريخ ليتوافق مع مصلحة السلطة، فإن هذا التشكيل يغدو أداة لإنتاج الطاعة، وإعادة إنتاج البنية السلطوية. كما يتحول التاريخ من سجل للأحداث إلى “أداة للهيمنة”، ويغدو الماضي نفسه مجالاً للصراع السياسي والثقافي.
لكن سرقة التاريخ ليست قدراً محتوماً. فالفلسفة النقدية والعلوم الإنسانية وحركات التحرر، كلها محاولات لإعادة الاعتبار للذاكرة المقهورة. إن استعادة التاريخ ليست مجرد عملية توثيق، بل هي فعل مقاومة يحرر المعنى من احتكار السلطة، ويفتح المجال أمام تعددية الأصوات. ريكور نفسه يراهن على “الذاكرة العادلة”، أي تلك التي تعترف بجروح الماضي دون إنكار أو تمجيد، وتجعل من التاريخ فضاءً للحوار لا أداة للإخضاع.
إن سرقة التاريخ وقتل الذاكرة هما وجهان لعملة واحدة: عملة الهيمنة التي تسعى إلى السيطرة على الماضي من أجل التحكم في الحاضر والمستقبل. وفي المقابل، فإن استعادة التاريخ هي شرط أساسي لاستعادة الكرامة الإنسانية، لأنها ترد للإنسان حقه في أن يكون فاعلاً في الزمن لا مجرد موضوع تُروى حكايته بلسان الآخرين.
هكذا، يغدو الصراع حول التاريخ صراعاً حول الحرية نفسها. أي حرية أن نروي ذواتنا بأنفسنا، وأن نصوغ ذاكرتنا المشتركة بعيداً عن التلاعب والتسليع. وبهذا المعنى، يصبح تحرير الذاكرة شرطاً لتحرير الإنسان، ويغدو النضال ضد سرقة التاريخ جزءاً من معركة أوسع من أجل العدالة والإنسانية.