الطفل .. مشروع وطن

Écrit par

dans


فؤاد بنبشينة

المنطلق هو أن الطفل “مشروع وطن” هذا الرَّحِم المُقدّس وليس “مُتلقٍ” والمُعلِم ليس “صانِعَ كلام” كما يُريد له خطاب اليوم، بل هو فاعل في صفوف ميتا-رهان تجويد المدرسة المغربية في تعددية اختلافها وإمكانياتها، إنه الحامل لقيم التضحية والإيثار، إنه المدرّس والمربي والمؤطر والأب الروحي للطفل.

من منظور المنطلق، يبدو أن سؤال “الرهان” موضوعا صعبا، لأنه يشمل كل طبقات المجتمع المغربي في اختلاف طبيعته التي تتداخل فيها الشمولية الاقتصادية كثروات وطنية والخصوصية الاجتماعية السياسية في صراع مع عولمة كل مواضيع الإنسان حيث أصبح عالمنا “قرية كونية” بتعبير عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان، فمشكلة التعليم في بلادنا هي مشكلة حاضر ومستقبل.. بمعنى مسألة عمل/ فعل ورؤية، ومن الطبيعي هي رؤية سياسية في المقام الأوّل ومن ثمّة رؤية أخلاقية وطنية.

المدرسة العمومية كحلم وكمشروع وطني:

العمومية في المغرب الراهن أضحت من المشاكل المزمنة وتحتل الصدارة ضمن الطبقات المتوسطة والهشة داخل المجتمع ولم تعرف طريقها بعدُ في اتجاه المعالجة الجديّة والحل الصحيح داخل ما أصبح يُعرفُ ب: “الدولة الاجتماعية”. حيث أكدت الحكومة في شخص السيد رئيس الحكومة، قال: “إن قناعتنا الراسخة هي أن إصلاح القطاع لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا بتعزيز مكانة وأدوار الأستاذ” انتهى كلام السيد رئيس الحكومة.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

نسأل، هل الأستاذ وحده من سيحقق الرهان؟

طيب، وأين هي كل طبقات المجتمع؟ أعود إلى كتاب: أضواء على مشكل التعليم بالمغرب لمحمد عابد الجابري، يقول: “إن مشكل التعليم، مشكل يَعترِف بخطورته وتفاقم أبعاده المغاربة جميعا، آباء وأمهات وأبناء، أساتذة ومعلمين وطلابا وتلاميذ، حاكمين ومحكومين، مسؤولين وغير مسؤولين، مختصين وغير مختصين”

ومن منظور دستوري فإن المدرسة العمومية تشكل أساس العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية، وهنا وسمتها بالرّحم الثاني بعد رحم الأم، إنها تحتضن الطفل بوصفه مشروعَ استمرارية الوطن. فالمدرسة المغربية منذ الاستقلال كانت مشروعًا لصناعة الإنسان قبل صناعة الأرض، وأداة لترسيخ القيم الوطنية والمواطنة.

حيث تغدو المدرسة فضاءً إنسانيًا لتحقيق “أحلام اليقظة” بالمعنى الباشلاري؛ أي المكان الذي يحمي أحلام الإنسان من الانكسار مستقبلا فمن الطبيعي أن تسليح العقول أولى من تسليح الأيادي بتعبير غرامشي وهي مقولة تعكس جوهر فلسفته حول التعليم والثقافة والهيمنة، وعليه ربطتُ المدرسة المغربية بمفهوم “التطلُّع” كما حدده عبد الله العروي، إلى جانب مبدأي الاعتزاز بالجذور والتضحية والإيثار، وهي المبادئ الثلاثة التي أسس عليها العروي لروح الوطنية الحديثة في المغرب.

وهنا يحضر الحلّ التصنيفي لما صار يُعرف بالتعليم الخصوصي، في علاقة تضاد مع التعليم الخصوصي، وما حالات جغرافية تعليمنا القروي إلا “مدرسة من زجاج” حيث إن الجميع يرى كل شيء ويرى كل شيء ويسمع كل شيء في عصرنا الرقمي ومسألة انقسام الهوية التربوية وهو تصنيف يقوم على الطبقية التعليمية، فالطفل لا ذنب له في هذه التصنيفات وخصوصا داخل المدن التي تتحقق بفعل ثروات وطنية، يمكن أن يكون الحظ فاعلا في هذا، لكن الحظ ليس له حظ أمام العدالة الاجتماعية للطفل الذي يعيش اليوم “مدرسة” تُحيل إلى انقسامٍ طبقي ومعرفي رامت الانزياح عن روحها الوطنية الأولى.

الطفل هو بالضرورة الحُلم الذي تنهضُ عليه الوطنية المغربية.

فالحديث في مدرستنا العمومية يستحضر الطفل باعتباره مشروعا وطنياً، وهنا يمكنني أن أصف مدارسنا العمومية ب: المدرسة المشتركة” ولو أنها صارت تشكو بعض ركائز الرحم المعرفي وتئِن تحت وطأة التصنيف والتمييز والتجريب واللا-تضامن من طرف رجالات المال ومؤسسات الاقتصاد الكبرى، ومثالنا هو ما كانت عليه المدارس الحرّة الوطنية التي شيدها رجال هذا البلد بالرغم من إكراهات المُستعمِر. فهذه المدارس في المقام الأوّل شكلّت الرحِم الأمومي التربوي التعليمي الأوّل بالمغرب، وكل أُمّ هي بالضرورة مرآة مجتمعها، وكذلك إذن هي كانت مدرستنا، هذا يحيل إلى أن تعليمنا هو مرآة سياستنا، مرآة مُجتمعنا، أي هو مرآة مؤسسات الدولة المغربية.

هذه المدارس كانت الرحم الأمّومي الأول للتعليم الوطني، يقول محمد عابد الجابري، إنها أفضت إلى بناء جيلٍ من الصحافيين والمناضلين والمثقفين الذين أسهموا في معركة الاستقلال وخاضوا في معركة الجهاد الأكبر ما بعد الاستقلال وأعتقد أنه هم من يقرروا الآن في شؤون التعليم العمومي. إذن، فلترحموا ضعفاء وبسطاء وطنكم!

هي ذاكرة تعليمنا قصيرة جدّا.

إنها تسير بأحذية مختلفة فاختلط المسير وتفكك المسار واختلّ التسيير، ومن منظور أن التعليم هو مرآة السياسة المغربية؛ فكل أزمة في التعليم تعكس خللاً ما في الرؤية الوطنية وفي علاقة الدولة بمواطنيها. فالمعلم ليس “صانع الكلام” كما يريد له خطاب اليوم، بل هو فاعل في صفوف ميتا-رهان تجويد المدرسة العمومية، إنه الحامل لقيم التضحية والإيثار، إنه المدرّس والمربي والمؤطر والأب الروحي للطفل.

وأما التلميذ، فهو مشروع مواطن، لا مجرد متلقٍ للمعرفة فقط بل هو المستقبل، فأي مستقبل نريده لهذا الطفل الذي سيأتي يوما ويقول: ذلك الطفل الذي كنتُ…. فبماذا سنجيبه؟ إن توفر لدينا الجواب. لهذا يقتضي إصلاح التعليم إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية بوصفها مؤسسة قيمية لا مرفقًا إداريًا أو مختبرا لتجارب قد تقطعُ مع رهانات الوطن، كذلك الانخراط في مشروع تضامني يربط بين البرجوازية المغربية ومؤسسات الدولة لإحياء “الاقتصاد الإنساني” الذي يجعل الإنسان ثروة الأمة الأولى. كما أنه وجب الربط بين الجهوية الموسعة ومفهوم “الرحم التعليمي” الذي يجعل المدرسة امتدادًا للبيئة المحلية، وهذا شكل تنوع جهاتنا واختلافها جغرافيا واقتصاديا وثقافيا وألسنا، ومن ثمّة الاشتغال على تعضيد التفاعل التعليمي الثقافي الجهوي داخل وطنية حاضنة له؛ فالطفل في الجبل ليس هو ذلك الذي في الصحراء أو القرية أو المدينة، لكن براءة القلب تقول: هو طفل مغربي أينما وُجِدَ، وهذا الوجود يوما ما سيحقق كونية ولا نريدها شكل هجرة تقترب من الانتحار الرمزي، فكما أن الدولة الاجتماعية اتخذت موقفا إنسانيا في شكل الدعم الاجتماعي وجب على مؤسسات الاقتصاد المغربي الكبرى أن تنخرط في الدعم التعليمي العمومي.

صحيح، أن المدرسة المغربية تعيش اليوم “تمزقًا” أو هو شكل “بريكولاج”؛ أي الترميق المؤقت الذي يفقدها تماسكها. وهذا التمزق أفقد المجتمع ثقته بالمدرسة العمومية، فصارت الأسر تبحث عن خلاص فردي في التعليم الخصوصي، ما أدى إلى تآكل الذاكرة المدرسية المشتركة من خلال حالات التصنيف.

مادا تعني المدرسة العمومية إن لم تكن تعني أننا وقفنا على حقيقة “تقوم على التصنيف الطبقي للمدرسة”؟ أيضا، تصنيف في صورة الطفل الذي من المفروض أنه طفل مغربي، طفل الدولة السياسية  والاجتماعية والاقتصادية، ما ذنب هذا الطفل؟

سؤال استحضر عندي مقولة الجاحظ، يقول: “إن أسوأ الأطباء هو نصف الطبيب الذي يُهلِك، وأثقلُ ما في هذه الدنيا هو نصف المغني الذي يثقل السمع، ونصف العالِم الذي يضلّ الناس”.

قد أزيد، وأقول: إن أسوأ السياسيين هو نصف سياسي الذي يكثر القول لا الفعل، ومعلوم أن من كثر كلامه رام الكذب.

إذن، أملنا في مدرسة كاملة مكتمِلة وليس نصف مدرسة، وهذا الاكتمال يشمل التعليم بنوعيه العمومي والخصوصي ولو أن نسبة التعليم العمومي وخصوصا في الابتدائي والإعدادي تستقطب نسبة تفوق 80 بالمائة.

خاتمة متفائلة

مما سبق، وحتى لا نقف عند نصف مدرسة وجب الدفاع عن المعايير الأزلية للأخلاق وللحق وللعدل، وعلى السياسي أن يزواج بين النقد الذاتي والمسؤولية الأخلاقية لتحقيق دفئاً اجتماعيا يقطعُ مع أشكال تصنيف الطفل وإقصاءه تعليميا وتربويا ومعرفيا؛ فالزّيف السياسي شكل آخر للموت الرمزي.

لماذا نعجز باستمرار في الإصلاح؟ إصلاح التعليم العمومي في المقام الأوّل.

ومن منظور محمد عابد الجابري يرى أن إصلاح المدرسة العمومية يستلزم إصلاحاً في السياسة والاقتصاد واللغة والثقافة. فرهان “أحلام الطفل المغربي” هو رهان “استمرارية جيّدة وغير مزيفة” إنه الرهان-الأمل في استعادة الحلم الوطني التربوي القائم على الكرامة ارتكازا على وعي نقدي منفتح على الممكن وليس إنجازاً إبداعيا أو ترميقاً للحظة زمنية انتخابية سياسية، إنه نقد يربط ماضينا بحاضرنا ومستقبلنا، كما يربط بين العقل كآلية للتفكير المغربي واليد باعتبارها آلية العمل والفعل والوسيط القلب باعتباره الروح المغربية، إننا في حاجة ماسة إلى القلب المغربي، القلب الوطني بتمغربيت.

إقرأ الخبر من مصدره