
حميد زيد – كود//
من يتذكر قارىء الجريدة والمجلة.
لقد كان هذا الكائن الذي يسمى قارئا موجودا بكثرة في الماضي. أما الآن فهو نادر.
وعندما نتحدث الآن عن الصحافة.
وعندما نتخاصم في ما بيننا حولها. فإننا لا ننتبه إلى اختفاء القارىء.
ليظهر مكانه المتفرج. والمتتبع. والناقر. ومفعل الجرس.
و قد كان جمهور الصحافة في الماضي متعلما بالضرورة.
كان “نخبة”.
وكان الأساتذة. والتلاميذ. والطلبة… هم الذين يقرؤون الصحف.
ومعهم المجازون العاطلون عن العمل.
وكان للقراء كتابهم المفضلون.
وأعمدتهم المفضلة.
بينما لم يعد هذا شرطا.
ولم تعد متابعة الصحافة حكرا على فئة بعينها.
والذي وقع هو أن المتعلمين اختفوا.
والقراء اختفوا.
والكتابة اختفت.
والنخب اختفت.
وأصبحت المهنة في يد “العامة”.
و ليحتلها صحافيون جدد. و جمهور جديد.
و لتصبح هذه المهنة متاحة لكل المواطنين.
بعد أن كانت للأقلية.
وقد ظهر ذلك في الوقفة الذي نظمها صحافيون للتضامن مع حميد المهداوي. وللمطالبة بحل المجلس الوطني للصحافة.
وبدل القراء.
رأينا شخصا يضع كمامة غريبة يمثل هو وصديق له نقابة نقل البضائع.
معبرا عن تضامنه مع المهداوي. ومطالبا بحل المجلس الوطني للصحافة.
حيث لم يعد القارئ طرفا.
ولم يعد هو الذي يتضامن.
ولم يعد هو المتلقي.
وما تبقى من صحافيين يكتبون كل يوم ويتوجهون إليه.
فهم آيلون للانقراض.
و منهم من يتأقلم ويشتري ذلك الميكرو.
ومنهم من يستسلم وينتظر نهايته ملتحقا بالقراء الذي لم يعد يظهر لهم أي أثر في المغرب.
ولذلك لم يعد هناك أي مشروع جريدة.
ولم تعد لا الأحزاب. ولا الدولة. محتاجة إلى لسان حالها.
ومن يبحث عن من يروج له.
فإنه يدفع لصاحب بودكاست. أو لمؤثر. أو لصفحة. أو لموقع هجين. سمعي بصري.
في وقت اختفى فيه أي تأثير للكتابة.
و للقلم اللاذع الذي عوضه اللسان الشجاع. والصوت الجهوري.
والكلام الذي لا ينتهي.
فمن يتذكر الصفحة الأولى.
من يتذكر الترويسة. والبنط العريض. والعنوان. و الشاپو.
من يتذكر الغلاف. والمقال. والعمود. والبوكلاج.
من يتذكر العدد الذي نفد من السوق.
من يتذكر أرقام المبيعات.
من يتذكر المرجوعات.
كل هذا انتهى. ويعود إلى ماض لم يعد موجودا.
ولا شيء الآن
إلا عدد المشاهدات.
و عدد النقرات
وحجم الأرباح التي تفرض على الصحافي الجديد أن لا يخرج من الشاشة.
وألا يبرحها.
وتفرض عليه قواعد الشاشة أن يأكل فيها الطعام.
وأن يمرض فيها.
وأن يلتقي بأفراد أسرته فيها.
حيث اختفى مقر العمل. واختفى المكتب. لينتقل الصحافي إلى شاشته.
وليستقر فيها.
ومن سيارته يمارس المهنة.
وهو يقود.
وهو في سرير النوم.
وهو مريض داخل شاشته.
ولا يخرج منها. إلا عندما يتعرض لمشكل. أو لتحقيق. أو لمتابعة.
فينتقل حينها إلى المغرب بحثا عن من يساندونه.
ومن يتضامنون معه.
ليحملهم معه إلى شاشته.
وقد كان لكل واحد منا منبره. وخطه التحريري. بينما لكل واحد منا الآن شاشته.
في عالم جديد يتكاثر فيه الشاشاتيون.
ويتقلص فيه الصحافي “الكلاسيكي” والقديم.
وما يميز الصحافي اليوم هو أنه لا يعلم من هو الشخص الذي يتفرج فيه.
فقد كانت هناك عبارة رائجة. في بدايات الأنترنت. تقول إنه ليس بمقدورك أن تعرف مع من تدردش في هذا العالم الافتراضي. وهل مع بشر مثلك أم مع كلب.
وقد تكون قطة هي التي تتفرج عليك.
أو ذبابة عالقة في أرنبة أنفك المطل على الشاشة.
بينما المؤكد هو غياب القارىء
الذي رأينا جميعا كيف أزاحه ناقل البضائع من الصورة.
معلنا بذلك بداية عصر صحافي جديد في المغرب.