في الوقت الذي يعيش فيه المشهد الصحافي والإعلامي المغربي واحداً من أكثر مراحله هشاشةً وتوتراً، يظلّ مطلب سحب مشروع قانون تشكيل المجلس الوطني للصحافة من مجلس المستشارين مطلباً ملحّاً وضرورياً، ليس فقط لاعتبارات تقنية أو مهنية، بل لأن استمراره بهذه الصيغة الحالية يُنذر بتكريس أعطاب عميقة تضرب ما تبقّى من ثقة بين الدولة والصحفيين والرأي العام.
الغريب أنّ الحكومة ما تزال مُصِرّة على تمرير مشروع قانون ترفضه الأغلبية الساحقة من المهنيين، ويحتجّ عليه عموم الرأي العام الوطني، فضلاً عن الملاحظات النقدية الصريحة الصادرة عن مؤسسات دستورية وازنة، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. ومع ذلك، تستمر الحكومة في التقدّم بمشروع لا يحظى بشرعية مهنية ولا توافق سياسي، وكأنها تُغامر بمستقبل قطاع حساس يحتاج إلى الحكمة، لا إلى العناد.
الاحتجاجات التي خرج فيها الصحفيون الجمعة الماضية لم تكن حدثاً عادياً. هي نتيجة أسبوع كامل من الغضب عقب تسريب فيديو “أخلاقيات المهنة”، وما كشف عنه من وضع شاذّ داخل مؤسسة يُفترض أنها حامية لأخلاقيات الصحافة لا منتجة للفضائح. كانت وقفة نوعية، اجتمع فيها الصحفيون من مختلف الحساسيات والاتجاهات، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: لا مستقبل للمجلس في صيغته الحالية، ولا مجال لتمرير مشروع قانون يزيد الأزمة تعقيداً.
وهنا يجب وضع النقاط على الحروف، المطالبة بحلّ المجلس الوطني للصحافة في صيغته الحالية ليست دعوة إلى ضرب حقوق موظفي الإدارة، ولا رغبة في العودة إلى مرحلة ما قبل المجلس، ولا إلى تدبير الوزارة الوصية على الصحافة كما كان في الماضي. المقصود واضح: لا يمكن القبول بمجلس فاقد للتمثيلية ومفروض بقرارات حكومية، أو بلجان مؤقتة تُسَيَّر بمنطق التعيين لا الانتخاب، وتقدّم نفسها كبديل عن مؤسسة من المفروض أن تعبّر عن الصحفيين لا عن السلطة.
الأدهى من ذلك أن استمرار هذا الوضع يؤكد وجود تيار يشتغل على اختراق قطاعات مختلفة، وفي مقدمتها الإعلام والصحافة، عبر فرض موازين قوة مختلّة. وهذا التيار يدفع المشهد نحو مزيد من العتمة وإضعاف التعدد والتوازن اللذين بُني عليهما التطور الديمقراطي النسبي للقطاع خلال العقد الماضي. لذلك فاللحظة تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، استرجاع التوازن والتعدد وترسيخهما وتطويرهما بدل الاستمرار في العبث.
من منظور واقعي ومسؤول، فإن أول خطوة نحو الإصلاح الحقيقي هي سحب مشروع القانون الحالي، وفتح نقاش وطني جدي يُنتج مشروعاً جديداً يستجيب للحاجة إلى مجلس وطني شرعي، مستقل، المنتخب ديمقراطياً، ويمثل كل مكونات المهنة. كما ينبغي تشكيل لجنة إشراف على الانتخابات تُصادِق عليها المؤسسة التشريعية، بتمثيلية متوازنة تضم مختلف الفاعلين، وتُسند لها مهمة واحدة ووحيدة: تنظيم انتخابات نزيهة تُعيد الشرعية للمؤسسة.
أما بشأن بطائق الصحافة، فإن التعامل المسؤول يقتضي تمديد صلاحية بطائق 2025 لعام إضافي، وإلغاء جميع قرارات سحب البطاقة الصادرة عن “لجنة الأخلاقيات” المثيرة للجدل، إلى حين إعادة ترتيب البيت الداخلي وبناء مؤسسة حقيقية تستحق أن يتم الاحتكام إليها.
في النهاية، المسألة لا تتعلق بمزاج سياسي ولا بموقع حكومي، بل بخيار وطني: هل نريد مجلساً منتخباً، شرعياً، يمثل الصحفيين ويدافع عن استقلال المهنة؟ أم نريد مؤسسة مصنوعة على المقاس، تفتقد التمثيلية والشرعية ومكتوب لها أن تُفاقم الأزمة بدل حلّها؟
الجواب في يد الحكومة. لكن الشارع المهني قال كلمته بوضوح.