
إدريس القري
المثقف والفنان المسؤول دون عدميّة أو احتواء
المثقف والفنان كلاهما مفكر ومبدع، كل في حقله ومجاله، فلا التفكير الرفيع يستقيم دون إبداع ولا الإبداع دون تفكير أصيل يستقيم: ذلك هو منطلقنا في هذه المقاربة لواحدة من مساحات الخلط والاستسهال والقلب المفاهيم عالم سلطة الميديوكراسيا.
تقديم
يشكّل سؤال نزاهة المثقف والفنان إزاء الواقع أحد أكثر الأسئلة حساسية في الفكرين الفلسفي السوسيولوجي المعاصر. فالفن والفكر ليسا مجرّد تمثيلات جمالية أو تأملات ذهنية، بل هما—كما يقول بيير بورديو—“ممارسات اجتماعية تقع داخل حقول تتصارع فيها السلطات الرمزية” (Bourdieu، 1992، Les Règles de l’art).
وبذلك يصبح أي إنتاج رمزي موقفاً حتى إن ادّعى صاحبه الحياد، لأن مجرد وضع شيء في العالم يعيد ترتيب علاقة الذات بالواقع. لكن النزاهة هنا لا تعني الحياد، بل تعني عدم الخضوع للعدميّة أو التجييش أو الاحتواء. فكيف يمكن للمثقف والفنان أن يحافظا على مسؤولية القول دون أن يقعا في سوداوية قاتلة أو يتحوّلا إلى أدوات في يد السلطة، أياً كانت طبيعتها؟
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} I – استحالة الحياد ومأزق الفنان والمثقف. 1. الفن والفكر كممارسات تحمل بالضرورة موقفا.
يعتبر بورديو أن “كل ممارسة رمزية تحمل في ذاتها بنية الميدان الذي أنتجها” (Bourdieu، 1994، Raisons pratiques)، ويعني هذا أن الفنان والمثقف – حتى حين يعلنان انفصالهما عن الواقع! – فإنهما يعبران فعلاً عن موقف يتموقع داخل شبكة القوى المادية والرمزية الموجودة في الواقع الوطني والعالمي اللذان يعيش فيهما وينتج. فحين يختار الفنان الصمت، فإنه يرسل رسالة. وحين يتبنى المثقف موقفاً علمياً بارداً، فإنه يعكس رؤية للعالم، أما حين يتخذ موقفا واضحا وشجاعا فهو يصنف نفسه وجهة التزامه القيمية والسياسية والحضارية.
يؤكّد الفيلسوف هيغل بدوره على أن “الفن تجلٍّ للروح في المادة” (Hegel، 1835، Esthétique)، وبما أن الروح عند هيغل ليست جوهراً ساكناً بل حركة تاريخية تُنتج ذاتها، فإن العمل الفني يصبح تموضعاً تاريخياً لا يمكن عزله عن الصراعات الثقافية والسياسية والأيديولوجية.
يعيد الفيلسوف سارتر من جهته صياغة هذا المنظور بوضوح حين يقول بأن : “الكاتب مسؤول فهو يلتزم حين يكتب” (Sartre، 1948، Qu’est-ce que la littérature?)، لذلك لا يمكن للكاتب أو الفنان أن يتخلص من مسؤولية أثره في العالم. وهو ما يحمل مواقفه مما يعيشه زمانه وما تعيشه البشرية عموما من أوضاع.
2. فرانسوا جوليا: لا حياد بل مسافة.
يقدم الفيلسوف الفرنسي المعاصر فرانسوا جوليان مفهوم “المسافة” بوصفها بديلاً عن الحياد. ففي كتابه L’écart et l’entre (2012)، يؤكد هذا الفيلسوف أن التفكير الفعال: “يتطلب خلق مسافة تسمح بإنتاج ممكنات جديدة” (Jullien، 2012)، ليست هذه المسافة انفصالاً، بل هي شرط للانخراط الواعي لأنها تُمكِّن المثقف من عدم الذوبان في الخطاب السائد أو في الخطاب المُضاد، كما تسمح له ببناء رؤية تتجاوز الاستقطابات، التي تكحون قوية كلما كانت مساحات التعايش والاعتراف بالنقد كرافعة للوقوف عند مزالق السلطة ضيقة.
3- ابن رشد وإمكان العقل النقدي
يرى ابن رشد أن الحقيقة لا تُدرَك إلا “بالعقل والبرهان” (ابن رشد، 1180، فصل المقال)، وينقذ هذا الموقف المثقفَ من السقوط في العدمية، فالعقل لا يستسلم لظلام العالم بل يشتغل على كشف أسباب الظلام، كما أن موقف ابن رشد هذا كما ينقذ المثقف والفنان على حد سواء من الاحتواء، وذلك انطلاقا من أن الفيلسوف عند ابن رشد لا يقبل قولاً دون دليل. هكذا لا يكون أساس النزاهة هو الحيادُ حسب ابن رشد، بل إعمال العقل في مواجهة العالم.
II – مخاطر العدمية والسوداوية ولماذا يسقط فيها المثقف والفنان؟ 1- السوداوية كمرآة للاختناق الاجتماعي.
يرى السوسيولوجي والمفكر إدغار موران أن “الأزمات تولِّد رؤية مأزومة للعالم” (Morin، 1999، La Méthode 5)، ويؤكد موران بأن المثقف يصبح أسير السوداوية حين يتعامل مع الواقع كقدرٍ محتوم، بدل اعتباره سيرورة قابلة للتحول. تكون السوداوية هنا هي فقدان القدرة على إنتاج المعنى، وليست مجرد مزاج شخصي يتصل بذاتية الفرد وماضيه ولا وعيه إلخ.
في ميدان السينما يعبر المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي عن هذا الشرط حين يقول:
“الفن لا يملك أن يغير العالم، لكنه يستطيع أن يغير الإنسان” (Tarkovski، 1986، Sculpting in Time).
يسقط الفنان والمثقف إذا في العدمية حين يفقد الإيمان بقدرته على التأثير في الإنسان.
2-جون لوك جودار: عندما يتحول الوعي إلى مرآة مظلمة.
يقول السينمائي ج. ل. جودار: “ليس المهم أن تصنع صوراً، بل أن تجعل الناس يرون” (Godard، 1967).
لكن حين يصبح الفنان مقتنعاً بأن لا أحد يرى – والرؤية هنا مشاهدة واعية محملة بقدرات جمالية وبتمثل للقيم وللالتزام وبمعرفة بالفن وأدواره النبيلة – أو أن الناس فقدوا القدرة على الرؤية، يبدأ بالانسحاب نحو ظلامٍ داخلي، هكذا ينضاف جودار للفلاسفة السابقين حيث يستنتج أن السوداوية تنتُج إذاً حين يفقد الفنان ثقته في أثر الفن.
3- المثقف واللاجدوى السياسية.
تظهر العدمية بالنسبة لسارتر عندما “يشعر الفرد بأن لا شيء يمكن تغييره” (Sartre، 1946، L’existentialisme est un humanisme، وينتج هذا الإحساس باللاجدوى عن الضغط السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يتحمله المثقف والفنان خاصة ويعيه، لكنه ليس حقيقة مطلقة، بل هو تأويل ذاتي، وهو ما يمكن المثقف والفنان بالتالي من مقاومة العدمية عبر استعادة الحرية الوجودية.
III – الاحتواء والتجييش – كيف يُستوعَب المثقف والفنان؟ 1- بورديو: بنية الحقول والهيمنة الرمزية
يشرح بورديو أن المؤسسات الثقافية والإعلامية والفنية تعمل وفق منطق “الرأسمال الرمزي” (Bourdieu، 1980، Le Sens pratique)، ويغري هذا الرأسمال الفنان والمثقف ويُخضعهما بطرق غير مباشرة من أهمها: الاعتراف والجوائز والمنابر للظهور والتمويل والربح والهيبة الرمزية عن طريق الشهرة … بحيث أن كل هذه الأنواع وغيرها تنتج احتواءا ومحوا عمليا لاستقلالية ولنزاهة المثقف والفنان فلا يفقد دوره في المجتمع فقط، بل وكرامته.
2- أدورنو الثقافة كصناعة.
يصر أحد كبار مدرسة فرانكفورت أدورنو على أن “الصناعة الثقافية تُفرغ العمل الفني من قدرته على المقاومة وذلك عبر تحويله إلى سلعة” (Adorno، 1944، Dialectic of Enlightenment)، هكذا يتحوّل الفنان، دون أن يشعر إلى جزء من جهاز الإنتاج نفسه.
3- الواقع المحلي: السياق المغربي والعربي.
عند الحديث عن السياق العربي والمغربي، يُضاف إلى ما سبق بُعد سياسي واجتماعي مُعقد متعدد العوامل ومتداخلها ومن أهم تمظهراتها :
التسابق نحو الدعم الذي يقضي على معنى الجودة والعمق والجماليات الإنسانية لفائدة إرضاء الأغلبية ومقاييس شباك التذاكر، وهناك طبيعة المؤسسات الثقافية التي يهيمن عليها ما هو إداري بكل ما يحمله من حُسن نية لكن أيضا، بعدٌ عن الحساسيات الثقافية وقربٌ شديد مما هو بيروقراطي وأمني… ومن ذلك سلطة الإعلام بحيث يعتبر مجرد الحضور فيها امتياز وجبت التضحية بكل شيء من أجله لتكريسه الشهرة، ثم هناك ضغط الجماهير التي عند غياب وعي حد أدنى لديها بمعنى وبوظيفية الثقافة والفن، يصبح ضغطها تكريسا للميديوكراسيا وللابتذال والمحاكاة التشويهية للواقع، ثم هناك أخيرا هيمنة الرأسمال الاقتصادي على الفعل الثقافي وهو ما يعمق تسليع الفن والفكر ويضعه تحت رحمة السوق وقوانينه وخدمة السائد وتكريسه.
يولِّدُ هذا السياق العام في المغرب وفي العالم العربي آليات احتواء مُتعددة تجعل سؤال النزاهة أكثر تعقيداً، بل وتخلق في الأوساط المثقفة والفنية انصياعا ذاتيا للاحتواء إن لم نقل سعيا نحوه تحت جاذبية كسب مادي ووهم دخول للتاريخ انطلاقا مما لا يُدخِل إليه وهو الشهرة العاميّة.
IV – نحو مفهوم جديد للنزاهة: التزام دون تجنيد، ومسافة دون عدمية. 1- النزاهة باعتبارها استقلالية.
يعرف سارتر ، مرة أخرى، الحرية بأنها “القدرة على خلق القيم” (Sartre، 1943، L’Être et le néant)، تصبح النزاهة في هذه الحالة هي قدرةُ المثقفِ على إنتاج موقف لا يفرضه عليه غيره، ولا يستسلم فيه لعدمية داخلية.
2- جوليان: الفعالية من خلال الخروج من الثنائيات.
يقدم الفيلسوف François Jullien مفهوماً أساسياً في سياق حديثنا حين يقول: “من أجل تفكير حر وسليم، يجب الخروج من البداهات التي تحكمنا” (Jullien، 2009، L’Inouï)، لذلك ينصح جوليان دائماً بتكوين “مسافة إبداعية” تسمح للفكر أن يتحرك خارج الثنائيات ومنها أساسا: حياد / انخراط وتفاؤل / تشاؤم ورفض / قبول وتمنح هذه المسافة المثقفَ حريةَ الحركةِ.
3- ابن رشد: العقل كأداة للمسؤولية.
حين يكتب ابن رشد قائلا بأن: “النظر واجب شرعي، ومن تركه فقد عطّل آلة من آلاته” (ابن رشد، 1180، فصل المقال)، فهو يجعل التفكير مسؤولية، هكذا نرى مع ابن رشد أن التفكير يعيد صياغة النزاهة بوصفها إخلاصاً للعقل، لا لإملاءات السلطة أو لردود أفعال الغضب أو الإغراء أو الجهل.
4 – إدغار موران: الأخلاق المُركبة.
يتحدث موران عن “أخلاق الفهم” (Morin، 2004، La Méthode 6)، حيث يشرح أنّ المثقف الحقيقي لا يقف ضد العالم ولا يذوب فيه، بل يسعى إلى فهم تعقيده، والفهم هو شرط المسؤولية، والمسؤولية هي شرط النزاهة.
نلاحظ مما سبق أن المفكرين والسوسيولوجيين والفلاسفة لا يختلفون في العمق بل في زوايا النظر وطبيعة اللغة المستعملة. لننتقل لمجال الإبداع الفني مع السينما ونستطلع إن كانت هناك اختلافات.
5- السينما: النزاهة عبر الابتكار.
يقول المخرج الإيراني عباس كياروستمي: “لا يعارض الفنان السلطة فقط، بل يعارض نفسه أيضاً” (Kiarostami، 1999)، ويعتبر هذا الصراع الداخلي الذي يشير إليه السينمائي الإيراني المعارض لدولة الموالي، هو جوهر النزاهة التي يمكن تلخيصها في النقط التالية:
– عدم استسلام الفنان لغضبٍ يطفئ الرؤية،
– عدم استسلامه لإغراءات الاحتواء،
– وأن عليه ابتكار شكل يُوسّع أفق الإنسان.
V – كيف يمكن للمثقف والفنان أن يكونا نزيهين؟ 1- عبر تحديد مسافة نقدية.
ليست المسافة التي يتحدث عنها فرانسوا جوليان حياداً، بل موضعاً يُمكّن الفنان والمثقف من رؤية الواقع دون السماح له بابتلاعه.
2- عبر الالتزام المسؤول.
ليس الالتزام عند سارتر كذلك تجييشاً ولا دعاية بل تحملا لمسؤولية الكلمة، بمعنى أن يقول المثقف الحقيقة بما يستطيع، دون ادعاء البطولة ودون السقوط في الصمت.
3- عبر مقاومة العدمية.
تتم مقاومة العدمية عبر بناء رؤية للعالم لا تقوم على النفي المطلق بل على توسيع الممكنات (Jullien، 2012).
4- عبر رفض الاحتواء.
يحقق المثقف هذه المقاومة عبر إجراءات متعددة منها اساسا:
– تنويع مصادر المعرفة،
– الحفاظ على استقلالية اقتصادية ورمزية نسبية،
– بناء مشروع فكري أو فني مستمر،
– تجاوز إغراءات الاعتراف السريع.
5- عبر التواضع المعرفي.
يشدد موران على أنّ “التواضع ليس نقيض المعرفة، بل شرطها” (Morin، 1999)، يمنع هذا التواضع المثقف من ادعاء امتلاك الحقيقة وبالتالي يمنعه من التحوّل إلى أداة أيديولوجية.
6- عبر الإبداع.
يعتبر الإبداع أعلى درجات النزاهة، لأن الفنان، مبدئيا، الذي يبتكر شكلاً جديداً يفتح مساراً لا يمكن لأي سلطة أن تحتجزه.
خاتمة.
يمكن للمثقف والفنان أن يكونا نزيهين – ليس عبر الحياد فذلك أمر مستحيل – بل عبر خلق مسافة نقدية تسمح بالانخراط دون احتواء وبالقول دون تجييش ودعاية وبالموقف دون عدمية، فليست النزاهة حالةً جاهزة وإنما هي عملية مستمرة من التفكير والمراجعة والابتكار، وحين يدرك الفنان والمثقف أنّ كل إنتاج رمزي هو مسؤولية، وحين يقْدِران على مقاومة الضغط والسوداوية والإغراءات، يصبحان آنذاك قادرين على صنع معنى جديد في العالم.
بهذا الفهم، يصبح الفن والفكر أكثر من مجرد رد فعل على الواقع، بل قوة لبناء واقع آخر أفضل بالتأكيد.