
مصطفى غَلــــمَــان
“من لا يواجه الظلام الداخلي لن يتمكن من إدراك النور.” كارل يونغ ـ
في العقود الأخيرة، لم يعد علم النفس مجرد علم يصف السلوك أو يقيس الانفعالات، بل أصبح سؤالا في الفهم الوجودي للإنسان، على إيقاع يغير الذات بوتيرة تفوق قدرتها على التأمل. إن التحولات الرقمية، وما أحدثته من طفرة في الإعلام والاتصال، أعادت تعريف حدود النفس، ومفاهيم مثل الهوية، الوعي، والآخر. وفي السياق، يجابه علم النفس المغربي معضلة جديدة: كيف يمكن التفكير في الذات المغربية ضمن فضاء تكنولوجي كونيّ، دون أن تضيع خصوصيتها الرمزية والثقافية؟
لقد أدخلت الرقمنة الإنسان المغربي في تجربة غير مسبوقة مع صورته. فالإعلام الجديد لم يعد مجرد قناة للتعبير، بل أصبح بنية إدراكية جديدة، تصوغ الوعي وتعيد ترتيب الانفعالات. إن “الأنا الرقمية” التي تتشكل داخل شبكات التواصل، لا تشبه “الأنا النفسية” التي نشأ عليها علم النفس الكلاسيكي. فالنفس هنا لم تعد باطنة بالكامل، بل صارت مرئية، مراقَبة، ومتشظية عبر واجهات وشاشات. وهذا التشظي يعيدنا إلى الحاجة لعلم نفس جديد، علم لا يكتفي بقياس السلوك، بل يقرأ ديناميات الظهور والاختفاء في الفضاء الافتراضي.
يواجه علم النفس المغربي تحديين متوازيين، أولهما التحدي المعرفي المتمثل في تجاوز النماذج الغربية الجاهزة التي صُمّمت لبيئات ثقافية مختلفة، وثانيهما التحدي المجتمعي المرتبط بتفكيك البنيات اللاواعية التي ما زالت تحكم تمثلات الذات والعلاقات الاجتماعية في المغرب. فالمغربي الذي يتفاعل على “إنستغرام” و”تيك توك” ليس ذاك الذي تربى داخل الحيّ أو الزاوية أو المدرسة التقليدية، بل كيان هجين، يتأرجح بين المحلي والعالمي، بين الإخفاء والتعرّي الرمزي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لقد أفرزت وسائل الإعلام الرقمية نفسًا تواصلية تتغذى من إيقاع الصورة، أكثر من عمق المعنى. وهذا التحول يجعل علم النفس مطالبًا بإعادة النظر في مفاهيم مثل “القلق”، و”الهوية” و”الاغتراب”. فالقلق اليوم لم يعد فقط نتيجة الصراع بين الهو والأنا، بل صار نتاجًا لفيض دائم من المقارنات والظهورات الرمزية التي يفرضها النظام الرقمي. والاغتراب لم يعد عن العمل أو الإنتاج كما عند ماركس، بل عن الذات التي تراقب نفسها عبر شاشة، وتتعلم أن تحبّ صورتها أكثر من حقيقتها.
وفي ضوء هذه التحولات، يصبح بناء براديغم مغربي لعلم النفس ضرورة معرفية وأخلاقية. ليس المقصود إعادة اختراع علم النفس، بل إعادة تموقعه داخل أسئلة الثقافة المغربية، حيث يتقاطع الدين، والعائلة، واللغة، والرقمنة في جدلية معقدة. فكيف نفهم “الذات” في مجتمع ما زال يعيش بين شفاهية الذاكرة ورقمية الصورة؟ وكيف نعيد تأهيل مفهوم “الصحة النفسية” في زمن أصبحت فيه المعاناة تُقاس بعدد المتابعين أو بعدد “الإعجابات” التي تواسي العزلة؟
إن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في غياب المعرفة، بل في غياب الجرأة على مساءلة المفاهيم الموروثة. فعلم النفس المغربي ما زال، في كثير من الأحيان، يستعير أدوات تشخيصية من مدارس لم تعش تجربة المجتمعات العربية والإفريقية في بعدها الرمزي أو الروحي. نحن بحاجة إلى علم نفس ينفتح على أنثروبولوجيا المعنى، ويتحاور مع الفلسفة والدين والفن وعلم الاتصال، لبناء صورة مركّبة للإنسان المغربي. كائن يعيش في التناقض، يحلم بالتحرر، لكنه يخاف من ذاته حين تُعرض على العلن.
إن الرقمنة لم تدمّر النفس، بل أعادت تشكيلها على نحو يجعلها أكثر شفافية وأقل استقرارًا. من هنا تبرز مهمة علم النفس الجديد. ليس فقط علاج الاضطرابات، بل تفكيك أشكال جديدة من الوعي التي تنبثق من داخل الفضاء الإعلامي ذاته. وهذا يتطلب جرأة معرفية لتأسيس خطاب نفسي مغربي، لا يُستعار من الخارج، بل ينحت مفاهيمه من التربة الثقافية والاجتماعية المحلية. ذلك أن النفس المغربية، في زمن الصورة والبيانات، لم تعد كما كانت. إنها تتعلم أن ترى نفسها في المرايا المتعددة، وتبحث عن توازن جديد بين الوجود الواقعي والوجود الرقمي.
وهنا يبدأ علم النفس المغربي الحقيقي. ليس كنسخة من علم نفس غربي، بل كفعل تأمل في معنى أن تكون إنسانًا مغربيًا في زمن الاصطناع والتمثيل، نحو براديغم مغربي لعلم النفس الرقمي، ينبغي أن يتجاوز علم النفس المغربي النزعة التقنية في فهم الاضطرابات النفسية، نحو تأويل الظواهر بوصفها خطابات عن الذات والمجتمع والثقافة. فالسلوك الرقمي، والتمثلات الإعلامية، ليست أعراضًا فحسب، بل نصوصًا رمزية تعكس بنى عميقة في الوعي الجمعي المغربي.
إنه بالتأكيد، لم تعد النفس كيانًا فرديًا منعزلاً، بل أصبحت شبكة من التفاعلات تتقاطع فيها الهويات، والمجتمعات الافتراضية، والرموز الثقافية.
إن “الأنا” المغربية اليوم تُبنى في الفضاء الرقمي كما تُبنى في الواقع، ما يستدعي تطوير أدوات تحليل تدمج بين علم النفس الاجتماعي، والسيميائيات الرقمية، وأنثروبولوجيا الصورة. كما لا يمكن بناء براديغم مغربي دون إعادة الاعتبار للرموز المحلية، كاللغة والأمثال والدين والطقوس والفنون الشعبية، بوصفها بنى نفسية تعبّر عن تصورات الذات والعالم. فكل مجتمع ينتج “نفسه” عبر لغته ومخياله، ولا يمكن لعلم النفس أن يكون عالميًا قبل أن يكون محليًّا بمعناه الإنساني.
يجب أن يُعاد تعريف “الذات” في سياقها الرقمي، فهي لم تعد فقط من تعي، بل من تُعرَض وتُراقَب وتُقاس. حيث إن علم النفس الرقمي المغربي مدعو إلى دراسة كيفية تحوّل القيم، والمشاعر، والإدراك في ظل هيمنة الصورة، وسرعة الزمن، ومفهوم “الحضور الدائم” الذي تفرضه المنصات الاجتماعية.
إن الرقمنة تطرح سؤالًا أخلاقيًا جديدًا: من يملك معطيات النفس؟ ومن يحدد معايير الصحة والاضطراب في عالم خاضع للخوارزميات؟، لذلك، لا يمكن لأي مشروع علمي في المغرب أن يتجاهل ضرورة ترسيخ أخلاقيات رقمية مغربية تحمي الإنسان من التشييء النفسي ومن تحويل الوعي إلى سلعة.
إنه لا يمكن بناء براديغم مغربي من خلال الترجمة وحدها، بل عبر تحويل المعرفة إلى تجربة. فالمطلوب ليس “أسلمة” أو “مغربة” علم النفس بمعناه الضيق، بل ابتكار نموذج معرفي يقرأ الإنسان المغربي في مفارقاته، بين التراث والحداثة، بين القدرية والاختيار، بين الصمت والبوح الافتراضي، فالمستقبل النفسي المغربي يمرّ عبر تلاقح الحقول، من علم النفس وعلم الاجتماع وفلسفة التقنية والإعلام وعلم البيانات.
إن الفهم الجديد للنفس لا يمكن أن يُختزل في المختبر أو العيادة، بل يجب أن يشمل المجال العمومي الرقمي باعتباره ساحة لتكوّن الذات الجماعية الجديدة.