
محمد شكراد
بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797 الداعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، ودخول المغرب مرحلة تحيين مخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به سنة 2007، اتجهت أنظار المتابعين والمتخصصين لاستحضار بعض التجارب المقارنة الناجحة، قصد استلهام أفضل الممارسات في بناء نماذج ناجحة ومستدامة للحكم الذاتي.
وتعد التجربة الإسبانية إحدى أبرز هذه التجارب ، ليس فقط بحكم قربها الجغرافي من المغرب، بل أيضا بالنظر الى طبيعة النظام الملكي في البلدين، وما يواجهانه من تحديات تاريخية مرتبطة بتدبير التعددية الجهوية والثقافية، وبالتفاوتات المجالية وكذا النزعات الانفصالية.
وكما هو معلوم، فإنه يحسب للتجربة الإسبانية، نجاحها في تنظيم مؤسسات مجتمع الحكم الذاتي في 17 جهة من جهات البلاد وتمتيع كل جهة بجمعية تشريعية، أي برلمان محلي، يتم انتخابه عن طريق اقتراع عام وفقا لنظام تمثيلي نسبي يضمن أيضا تمثيل مختلف أنحاء المنطقة، كما يستند تنظيم مؤسسات مجتمع الحكم الذاتي كذلك إلى مجلس حكومة ذي مهام تنفيذية وإدارية، وإلى رئيس تنتخبه الجمعية من بين أعضائها ويعينه الملك وتوكل إليه مهمة تسيير مجلس الحكومة الذي يشكل أسمى هيئة تمثيلية لمجتمع الحكم الذاتي كما يشكل الهيئة التمثيلية الاعتيادية للدولة بمجتمع الحكم الذاتي. ويعتبر الرئيس وأعضاء مجلس الحكومة مسؤولين أمام الجمعية التشريعية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لكن، بالرغم من تميز التجربة الإسبانية ونجاحها في تطوير أنظمة الحكم الذاتي بشكل متباين بين جهاتها السبعة عشر، وإرسائها لأنظمة حكم ذاتي متقدمة بالمناطق ذات الامتيازات التاريخية في كل من جهة كتالونيا وجهة الباسك وجهة غاليسيا، بالنظر لكونها جهات كانت تتمتع بالحكم الذاتي، في فترة ما بين إعلان الجمهورية الإسبانية الثانية سنة 1931 وبداية الحرب الأهلية سنة 1936، إلا أن هذه التجربة أبانت عن أزمات وتوترات غير مسبوقة، لعل أبرزها أزمة كتالونيا التي مازالت تلقي بظلالها على المشهد السياسي العام في اسبانيا.
الأزمة الكتالونية:
في سنة 2017 دعت الحكومة الكتالانية من جانب واحد الى إجراء استفتاء شعبي لتقرير مصير منطقة كتالونيا، وهو الاستفتاء الذي واجهته الحكومة الإسبانية بالرفض، معتبرة إياه مخالفا للدستور وللنظام الأساسي لمنطقة كتالونيا، وهو الأمر الذي أكدته المحكمة الدستورية الإسبانية حينها.
لكن، بالرغم من ذلك صادق البرلمان الكاتالوني في 6 شتنبر 2017 على قانون الاستفتاء، وحدد تاريخ اجراءه في 1 أكتوبر 2017، وبموجب هذا الاستفتاء سعى القادة الكاتلان إلى تحقيق استقلال المنطقة بذريعة حق الساكنة في تقرير المصير، وهو الأمر الذي أدى إلى أزمة دستورية وسياسية حادة بين الحكومة المركزية في مدريد والحكومة الكتالونية. وقد استدعى ذلك تدخل القضاء وتفعيل اليات دستورية لحماية وحدة الدولة، لا سيما أحكام الفصل 155 من الدستور والتي تنص على أنه إذا لم يمتثل مجتمع حكم ذاتي بالواجبات التي يلزمه بها الدستور أو تلزمه إياها قوانين أخرى، أو في حالة ما إذا قام بتصرف يضر بشكل خطير المصلحة العامة لإسبانيا، يحق للحكومة بعد توجيه إشعار مسبق لرئيس مجتمع الحكم الذاتي، وبمصادقة الأغلبية المطلقة لمجلس الشيوخ إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار الإشعار المذكور، أن تتخذ الإجراءات الضرورية لإلزام مجتمع الحكم الذاتي بالقيام الإجباري بالواجبات المذكورة أو بحماية المصلحة العامة التي ورد ذكرها، وهو ما تم تفعيله فعليا في كتالونيا مباشرة بعد إجراء الاستفتاء، حيث اتخذت الحكومة الاسبانية بقيادة ماريانو راخوي حينها، إجراءات من بينها إقالة جميع أعضاء الحكومة الكتالونية، وحل البرلمان الكتالاني والدعوة لانتخابات جهوية سابقة لأوانها، وتولي الحكومة الاسبانية للصلاحيات التنفيذية للإدارات الكتالونية إلى حين تشكيل حكومة كتالونية جديدة.
وبالرغم من استئناف المؤسسات الدستورية في كتالونيا عملها حاليا بشكل طبيعي، فـإن هذه الأحداث لا زالت تلقي بثقلها على المشهد السياسي الإسباني، حيث خلفت أزمات سياسية وقضائية متشابكة، وأثارت انقسامات بين الأحزاب لا سيما بين الغريمين التقليدين الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، ما يجعل إدارة أنظمة الحكم الذاتي والحفاظ على وحدة الدولة تحديا مستمرا يستدعي يقظة سياسية كبيرة.
مكامن الضعف والخطر في تجربة مجتمعات الحكم الذاتي في إسبانيا:
تعتبر الأحزاب القومية أو الجهوية ، والتي تستمد شرعيتها من الدستور الإسباني ومن القانون التنظيمي رقم 6/2002 المتعلق بالأحزاب السياسية، النقطة السوداء في تجربة مجتمعات الحكم الذاتي في إسبانيا، على اعتبار أن العديد منها استغل شرعيته الانتخابية ومكانته المؤسساتية، للمطالبة بتقرير المصير، ولعل تراجع تمثيلية كل من الأحزاب الوطنية داخل برلمانات مجتمعات الحكم الذاتي خصوصا في جهتي كتالونيا وبلاد الباسك، جعل هذه الأحزاب الجهوية تحصل في بعض الفترات، على الأغلبية البرلمانية وبالتالي تشكيل حكومات جهوية بمطالب ذات أبعاد انفصالية، كما أن وجود تمثيلية لبعض من هذه الأحزاب الجهوية، في البرلمان الإسباني، والحاجة لأصواتهم في تشكيل حكومة ائتلافية، جعل الحكومة الإسبانية تقدم تنازلات للأحزاب القومية، على غرار العفو الذي منحته الحكومة الحالية برئاسة “بيدرو شانزيس” لمجموعة من الانفصاليين الذين صدرت في حقهم أحكام بالسجن بسبب مشاركتهم في محاولة إقامة دولة مستقلة في منطقة كتالونيا.
كما أن الحكومة الإسبانية الائتلافية الحالية، لا زالت تحت رحمة الحزب الانفصالي الكتالاني “Junts per Catalunyat “الذي يناور للحصول على المزيد من التنازلات لصالح منطقة كتالونيا والزعامات الانفصالية.
وبالرغم من الثقل والمخاطر التي تمثلها الأحزاب القومية أو الجهوية على الوحدة الترابية لإسبانيا، فإن انتماء اسبانيا الى الاتحاد الأوروبي ساهم إلى حد ما في ردع المطالب الانفصالية، خصوصا، وأن دول الاتحاد أغلقت الباب في وجه كيانات جديدة، كما أن الضغوطات الاقتصادية التي مارستها الشركات ذات المقر الاجتماعي في كتالونيا، جعل من أن أي محاولة للانفصال تحمل كلفة كبيرة على المستويين الداخلي والدولي، مما ساهم في الحد من اندفاع الأطراف الانفصالية ولو إلى حين.
والخلاصة أن التجربة الإسبانية ورغم نجاحاتها، مازالت تواجه تحديات مستمرة، لأنها جعلت من الأحزاب القومية أو الجهوية، فاعلا محوريا في نظامها السياسي والانتخابي، وفاعلا في المناطق ذات النزعات التاريخية الانفصالية وذات الموارد الاقتصادية المهمة ولأن الأحزاب الوطنية الرئيسية وجدت نفسها غير قادرة على الحصول على الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة وبالتالي الحاجة لأصوات الأحزاب القومية، مما يزيد من هشاشة النظام السياسي وتعقيد إدارة مجتمعات الحكم الذاتي.