الحكومة تخرج مراسيم لإصلاح خروقات صفقات الصحة

Écrit par

dans

في خطوة جديدة ضمن الورش الحكومي لإصلاح المنظومة الصحية، صادق مجلس الحكومة على أحد عشر مشروع مرسوم يتعلق بتحديد تاريخ الشروع الفعلي للمجموعات الصحية الترابية بمختلف جهات المملكة، باعتبارها أحد الأعمدة التنظيمية الجديدة في هندسة القطاع الصحي. وقد قدم هذه المشاريع وزير الصحة والحماية الاجتماعية، فيما تولى الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، شرح خلفياتها خلال الندوة الصحافية عقب اجتماع المجلس الحكومي، مبرزاً أن هذه المراسيم تُرسّخ الانتقال نحو التدبير الجهوي وإرساء مجموعات صحية ترابية مستقلة ستتولى، ابتداء من السنة المقبلة، إدارة الخدمات الصحية على مستوى الجهات.

وبموجب المراسيم التي شملت جهات الرباط-سلا-القنيطرة، فاس-مكناس، العيون-الساقية الحمراء، الشرق، كلميم-واد نون، سوس-ماسة، درعة-تافيلالت، بني ملال-خنيفرة، الداخلة-وادي الذهب، الدار البيضاء-سطات، ومراكش-آسفي، فإن تاريخ الشروع الفعلي لهذه المجموعات في ممارسة اختصاصاتها سيُحدَّد في فاتح الشهر الثالث الموالي لانعقاد أول مجلس لإدارتها. هذا الإطار التنظيمي الجديد يُعتبر، وفق الحكومة، تحوّلاً بنيوياً يهدف إلى تجاوز اختلالات التدبير المركزي الذي لطالما اعتُبر سبباً في بطء التدخلات وإهدار إمكانات كان يمكن استثمارها لتحسين العرض الصحي وتجويد الخدمات.

غير أن هذا السباق الحكومي نحو إرساء المجموعات الصحية الترابية لا يخلو من ملاحظات وانتقادات. فالتجربة “النموذجية” التي أُجريت في جهة طنجة، والتي تعتبرها الحكومة ناجحة وإيجابية، رافقتها احتجاجات لمهنيين ومخاوف من تعميق الفوارق الجهوية، إضافة إلى تساؤلات حادة حول مدى جاهزية بنيات الصحة الجهوية لاستقبال هذا التحول العميق. ورغم هذه التحفظات، يبدو أن الحكومة ماضية في خيارها دون تردد، وتعتبر أن التقييم الداخلي الذي قامت به يكفي لتبرير التعميم على باقي الجهات.

وخلال الندوة الصحافية، توقف الناطق الرسمي عند مؤشرات اقتصادية قال إنها تُثبت تحسن الدخل والمعيش، وانخفاض التضخم، وارتفاع الناتج الداخلي الإجمالي وعودة الثقة في الاستهلاك. وربط بايتاس كل هذه النتائج بالسياسات الحكومية، مؤكداً أن الإجراءات المتخذة خلال السنتين الأخيرتين، من دعم المواد الأساسية إلى تخفيض الضرائب ورفع الأجور، ساهمت في تحسين القدرة الشرائية بشكل مباشر. غير أن هذا التفسير يبقى محل نقاش واسع، إذ اعتبر عدد من المحللين أن الحكومة تُسند لنفسها نتائج مرتبطة بعوامل اقتصادية عالمية وموسمية، بينما تستمر شكاوى الفئات المتوسطة والضعيفة من غلاء الأسعار وخدمات اجتماعية غير متوازنة.

وعلى مستوى إصلاح الصحة تحديداً، فإن ما تعتبره الحكومة تقدماً ملموساً يرى فيه مراقبون محاولة لاستباق الضغط المتزايد على القطاع، خصوصاً في ظل الانتقادات التي طالت أداء المنظومة خلال السنوات الأخيرة. ويذهب البعض إلى أن الحكومة تُسرّع وتيرة الإصلاح أكثر من اللازم، في ظل غياب حوار عميق مع مهنيي الصحة ومع المحتجين على القانون الإطار المنظم للمنظومة الصحية الجديدة، وهو ما قد ينتج عنه خلل مستقبلي في تنزيل هذه الإصلاحات.

وتزداد الصورة تعقيداً عندما يتم ربط هذا التسارع بإشكالية تضارب المصالح داخل قطاع الصحة. فالمجتمع المدني، ومهنيون داخل القطاع، وباحثون في السياسة الصحية، يوجهون أسئلة جدّية حول مدى استقلال القرار العمومي عن المصالح الاقتصادية المرتبطة بسلاسل توريد الأدوية والمستلزمات الطبية والصفقات المرتبطة بالبناء والتجهيز. ويذهب بعض المنتقدين إلى حد القول إن إصلاح الصحة، رغم ضرورته، يجري بطريقة تُجنّب فتح الملفات الحساسة التي تتعلق باللوبيات المتغلغلة في القطاع، وبالتداخل غير الصحي بين السياسة ورأس المال الطبي.

ويُسجل هؤلاء أن الحكومة، في تفاعلها الإعلامي، تُبرز الإصلاحات التنظيمية والتشريعية، لكنها تغفل تماماً معالجة جوهرية لواحد من أكبر التحديات: محاربة تضارب المصالح ومحاصرة الامتيازات التي يستفيد منها عدد من الفاعلين وليسوا دائماً بعيدين عن دوائر القرار. كما يتم طرح أسئلة حول غياب استراتيجية شفافة تضمن أن الانتقال إلى التدبير الجهوي لن يتحول إلى إعادة إنتاج نفس اللوبيات، لكن هذه المرة على مستوى كل جهة، بما يجعل المجموعات الصحية الترابية محاصرة بضغوط اقتصادية وإدارية قبل أن تبدأ عملها فعلياً.

كما يلفت مراقبون الانتباه إلى أن الحكومة لم تقدّم بعدُ ضمانات واضحة حول آليات المراقبة والمحاسبة داخل المجموعات الصحية الترابية، ولا حول منع تضارب المصالح خلال تعيين المديرين الجهويين ومسؤولي الصفقات. ومع أن النصوص القانونية الجديدة تتحدث عن استقلالية مالية وإدارية، إلا أن هذه الاستقلالية قد تتحول، في غياب الرقابة، إلى مناطق رمادية تُستغل لإبرام صفقات مشبوهة أو لتعزيز امتيازات فاعلين لا يُخفون ارتباطاتهم السياسية أو مصالحهم الاستثمارية.

ويُجمع عدد من الباحثين في السياسات العمومية على أن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن أن ينجح فقط عبر الهندسة التنظيمية، مهما كانت متقدمة، بل يتطلب إرادة سياسية واضحة لفتح ملفات الفساد وتضارب المصالح، وهي الملفات التي تظل – حتى الآن – غائبة عن الخطاب الحكومي. فالمواطن الذي يهمه الحصول على خدمات صحية لائقة لا يرى أثراً لهذا الإصلاح إلا حين يزور مستشفى أو مركزاً صحياً. وإذا ما بقيت نواقص التجهيزات ونقص الأطر وضعف التمويل وقضايا الشفافية من دون معالجة، فإن أي تغيير تنظيمي سيظل حبراً على ورق.

ومع قرب دخول المجموعات الصحية الترابية حيّز التنفيذ الفعلي، وما يرافقه من تسويق حكومي متفائل، يبقى السؤال الحقيقي مطروحاً: هل ستتجه الحكومة نحو معالجة جذور اختلالات القطاع، بما فيها تضارب المصالح والولاءات المتشابكة، أم ستكتفي بالواجهة التنظيمية دون الغوص في عمق الإصلاح؟ الجواب سيتضح خلال السنة المقبلة، حين تنتقل هذه المجموعات من النصوص إلى الواقع، ومن الوعود إلى الاختبار العملي أمام المواطنين.

إقرأ الخبر من مصدره