الخط : A- A+
احتضنت مدينة الرباط، اليوم السبت 13 دجنبر 2025، في اليوم الثالث من أشغال مؤتمر “الحوارات الأطلسية”، الجلسة العامة العاشرة، المعنونة بـ “محادثة مراكز التفكير: ربط المناطق وبناء المستقبل”، في سياق عالمي يتسم بتصاعد النزعات الأحادية، وتراجع فعالية الآليات متعددة الأطراف، وتزايد الأسئلة حول دور المعرفة والخطاب العمومي في فهم التحولات الدولية المتسارعة.
الجلسة أدارها جون ييروود، المدير التحريري للتنوع والثقافة بمجلة “Politico” بالولايات المتحدة الأمريكية، وشارك فيها كل من كريم العيناوي، الرئيس التنفيذي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بالمغرب، وسانجوي جوشي، رئيس مؤسسة “Observer Research Foundation” بالهند، وإليزابيث سيديروبولوس، المديرة التنفيذية للمعهد الجنوب إفريقي للشؤون الدولية.
وافتتح كريم العيناوي النقاش بالتأكيد على أن المعرفة التي تنتجها مراكز التفكير يجب أن تكون مصاغة بطريقة قابلة للفهم والاستيعاب، لا أن تبقى حبيسة التقارير الأكاديمية المعقدة. وأوضح أن التحدي لا يكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل في كيفية استخدامها ونقلها وتكييفها مع سياقات متعددة.
وأبرز العيناوي أن الخبراء لا يزالون مرتبطين بثقافة الكتابة بوصفها انضباطًا فكريًا، غير أن هذه المعرفة يمكن تحويلها إلى صيغ متعددة، من حوارات مباشرة وتفاعلات وجهاً لوجه، إلى نقاشات مع مجموعات متباينة الآراء، ومذكرات سياسية موجزة، ومحتويات موجهة للطلبة والجامعات، إضافة إلى التفاعل مع الإعلام والصحافة.
واعتبر العيناوي أن ما يجري داخل “الحوارات الأطلسية” يمثل تمرينًا تفاعليًا غنيًا، يتيح فرصة حقيقية للفهم المتبادل وبناء جسور التواصل بين فاعلين من خلفيات مختلفة، داخل فضاء يتسم بالجدية والاحترام والانفتاح. وأكد أن هذه المساحات الحوارية تكتسي أهمية خاصة في عالم مضطرب، رغم صعوبة إدارتها وضبط إيقاعها، مبرزًا أن مراكز التفكير ليست حلولًا جاهزة لتحديات العالم الراهن، لكنها تشكل جزءًا من منظومة أوسع، شريطة أن تكون فعالة، خبيرة، وقادرة على العمل على نطاق واسع وفق شروط واضحة.
من جهتها، ركزت إليزابيث سيديروبولوس على مسألة ارتباط مراكز التفكير بالواقع المجتمعي، معتبرة أن أحد التحديات الكبرى التي تواجهها هو الانطباع السائد بأنها تعمل في فضاء نخبوي منفصل عن هموم المواطنين اليومية. وأوضحت أن مفهوم الملاءمة لا يقتصر على مدى استفادة صناع القرار من الأبحاث، بل يشمل أيضًا قدرة هذه المؤسسات على إقناع المواطن العادي بقيمة ما تنتجه من معرفة، وربط القضايا الكبرى، مثل إصلاح النظام المالي الدولي أو التغير المناخي أو التدفقات المالية غير المشروعة، بتأثيرها المباشر على حياة الناس، خاصة في مجتمعات تعاني من نسب مرتفعة من الفوارق الاجتماعية والبطالة في صفوف الشباب.
وأضافت المتحدثة أن تجربة جنوب إفريقيا، خصوصًا في سياق التفاعل مع مجتمع مراكز التفكير خلال رئاسة مجموعة العشرين، أظهرت أهمية انفتاح الحكومات على هذه المؤسسات، لكنها شددت على أن ذلك غير كافٍ إذا لم يترافق مع انخراط أوسع لمختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم الشباب. ودعت إلى إعادة التفكير في استراتيجيات التواصل، مؤكدة أن التقرير أو المذكرة السياسية ليست سوى بداية العمل وليست نهايته، وأن الابتكار في إيصال المعرفة، وجعلها مبسطة وقابلة للفهم دون فقدان عمقها، أصبح ضرورة ملحة في عالم سريع التغير.
وفي مداخلة ذات بعد تاريخي وفكري، اعتبر سانجوي جوشي أن مراكز التفكير لا تقوم اليوم بما يكفي، غير أن المشكلة أعمق من ذلك، إذ تتعلق بأزمة شرعية شاملة تطال الحكومات ووسائل الإعلام الكبرى والنظام الدولي القائم على القواعد. وأشار إلى أن جذور مراكز التفكير تمتد إلى قرون طويلة، مستحضرًا تاريخ تبادل الأفكار عبر القوافل والمراكز العلمية.
كما أبرز الدور التاريخي للمغرب كفضاء لتلاقح الأفكار وحفظ المعرفة خلال فترات تاريخية صعبة، حيث اعتبر أن النظام الدولي الذي تأسس بعد سنة 1945، وبلغ ذروته بعد نهاية الحرب الباردة، أصبح اليوم موضع تشكيك حتى من القوى التي أسسته، ما أفرز أزمة ثقة عميقة في الخطاب العالمي، خاصة لدى الأجيال الشابة التي باتت تطرح أسئلة جوهرية حول جدوى هذا النظام ومصداقيته.
وفي تعقيبه على النقاش، شدد كريم العيناوي على أن مراكز التفكير تضطلع بدور أساسي باعتبارها فضاءات لتكوين النخب وصناعة المواهب، حيث يشتغل شباب في مقتبل العمر جنبًا إلى جنب مع وزراء وسفراء وصناع قرار سابقين، ما يساهم في نقل الخبرة عبر الأجيال في إطار يخدم الصالح العام. وأكد أن هذه المؤسسات مطالبة بتوفير مساحات آمنة للتفكير الهادئ، بعيدًا عن ضغط القرار السياسي اليومي، مبرزًا أن الفاعلية لا تعني بالضرورة العدوانية، وأن التغيير الحقيقي يتطلب نفسًا طويلاً وعملًا عقلانيًا متدرجًا.
وشهدت الجلسة تفاعلًا لافتًا من الحضور، من بينهم الدكتورة سارة أوليمو، القيادية الإفريقية في مجال تمكين النساء والزراعة الإيكولوجية، التي سلطت الضوء على قضايا النساء والبذور المحلية وحقوق الشعوب الأصلية في الأرض والماء. وأكدت أن النساء ينتجن نسبة كبيرة من الغذاء في إفريقيا، وأن تمكينهن من القيادة في هذه الملفات يشكل مدخلاً أساسيًا لتحقيق العدالة والاستدامة، داعية إلى جعل قضايا المياه والزراعة في صلب النقاشات المستقبلية للحوارات الأطلسية.
كما عرفت الجلسة طرح تساؤلات حول ما وُصف بأزمة الخبرة في عالم تتعرض فيه الحقائق للتسييس والاستقطاب، حيث نوقش الدور الذي يمكن أن تلعبه مراكز التفكير في استعادة الثقة في المعرفة والخطاب القائم على الأدلة، أو ما إذا كان العالم بات يعيش مرحلة تتعايش فيها قراءات متعددة للواقع.
وشكلت الجلسة العامة العاشرة فضاءً لنقاش معمق حول المكانة المتزايدة التي تحتلها مراكز التفكير في عالم تطغى عليه النزعات الأحادية وتتعرض فيه الآليات متعددة الأطراف للتفكك والضغط. وتم التطرق إلى دور هذه المؤسسات باعتبارها جسورًا تربط بين المناطق والفاعلين والقطاعات المختلفة، من خلال توفير منصات للحوار تجمع الخبراء والأكاديميين وصناع القرار، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام العموم للتفاعل مع القضايا العالمية الملحة.
وقد أبرز المتدخلون أن مراكز التفكير، عبر النقاش المستنير والتحليل القائم على المعرفة، تساهم في فهم التحولات الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية الجارية، وتساعد على بلورة استجابات منسقة واستشرافية للتحديات المعقدة التي يواجهها العالم.
وفي هذا السياق، أجابت مداخلات الجلسة عن مجموعة من الأسئلة الإرشادية التي وجهت النقاش، وفي مقدمتها كيفية تمكن مراكز التفكير من ردم الفجوات الإقليمية وخلق حوار فعال بين فاعلين متنوعين في ظل تصاعد الأحادية، وكيف يمكن لهذه المؤسسات أن تسهم في صياغة ردود جماعية على التحديات العالمية في وقت تتراجع فيه قدرة المنظومة متعددة الأطراف على الفعل.
كما ناقش المشاركون حدود أدوار مراكز التفكير بين الاستشارة والتأثير الفعلي في السياسات، وتوقفوا عند الاستراتيجيات العملية الكفيلة بتحويل الحوارات الإقليمية إلى سياسات ملموسة قادرة على التأثير في المستقبل. وأبرز النقاش أن قوة مراكز التفكير لا تكمن فقط في إنتاج الأفكار، بل في قدرتها على الربط وبناء الثقة، وتحويل المعرفة إلى مسارات عمل مشتركة تساهم في رسم ملامح مستقبل أكثر استدامة.