
عبدالكريم بلحاج
المهن النفسية، منابع التكوين والمهننة
في الوقت الحاضر، صار موضوع الأخصائي النفسي يجلب اهتماما كبيرا لدى العام والخاص من الناس، والتفاتة عملية لدى المؤسسات والجمعيات، واستشارة مطلوبة لدى وسائل الإعلام السمعية والبصرية، كما ظل مثار نقاشات وكلام في الفضاء العام أقل ما يقال عنها كونها يطبعها العقم وتواضع في المقاربة والمنظور، وذلك بفعل تعدد المتدخلين ومتكلمين من قوّالين ومُثرثرين مع هيمنة ملحوظة لنزعة الأستاذية لدى مدرسي الجامعات في الإفهام وإدامة النظرة التعليمية حول تحديد وجود وممارسة الأخصائي النفسي لمهامه، كما ظل لهذه النزعة امتداد يتمثل في السعي نحو التحكم في مصير ترسيم المهنة والوصاية على ممتهنيها. فهذه الأهمية التي اكتسبها علم النفس من خلال إثارة دور هذا الأخصائي تزامنت مع تزايد الاهتمام بأحوال الصحة النفسية والعقلية، وبلغة العصر، كل ما من شأنه يفيد رفاهة الناس من توافق وعافية وسلامة. وفي هذا السياق عرف التكوين في مجالات الاختصاص التي يزخر بها حقل علم النفس تطورا مهما بتزايد مُتحمِّس للانتساب إليه من طرف عدد غفير من الطلبة والتنويع المعتمد لعروضه المميزة في التعليم العالي. فبالنظر إلى اتساع مساحة هذه العروض التي تتعلق بالتكوين في حقل علم النفس نسبة إلى مستوى التثقيف واكتساب الأسس المعرفية ثم عند تنوع مجالات الاختصاص نسبة إلى المستويات العالية منها المؤهِّلة للممارسة أو للبحث عبر مسار الدكتوراه، يشهد الواقع على تطور ملحوظ في الطلب من حيث الإقبال المكثف على هذه التكوينات، وهذا الواقع ساهم في تكريسه تعدد المسالك والشعب المحتضنة في مؤسسات التعليم العالي العمومي والخاص على السواء. أما الطلب على الخدمات فبدوره عرف تطورا ملحوظا لدى الأفراد والجماعات. ورفعا لكل لبس، لابد من التوضيح بأن مجموع التكوينات التي تنتمي إلى حقل علم النفس لا تهدف التأهيل لوظيفة الأخصائي النفسي “Psychologue” المعني بقضايا الصحة النفسية والعقلية، بحيث أن التسمية التي تفيد هذا الأخصائي لها خصوصية تتحدد بمجال نوعي هو “علم النفس الإكلينيكي” (العيادي، السريري)، كما أنها تتخذ أحيانا تعبير”النفساني”، وهي لا تنطبق على كل مجالات الاختصاص في حقل علم النفس، هذه التي ينسحب النعت بها على الصفة للتمييز فيما بينها إن على مستوى المهام أو الممارسة،. وهنا وجب التذكير بأن مجال هذا الأخصائي يعتبر بمثابة الحجر الأساس من بين مجالات علم النفس المسموح له والمعترف به لمزاولة المهنة. وأما الممارسات المنتشرة التي تُنسب إلى هذا المجال، والتي تتوزع بين الدجل والتوهيم والتزييف كما انتحال الصفة، فهي ظواهر طفيلية وفيروسية لايمكن التصدي لها ومعالجتها سوى بالقانون والتنظيم وليس على حساب المهنيين وذوي الاختصاص.
المهم أن صفة الأخصائي النفسي وفق التردد السائد حولها يعرف، ومنذ مدة لايستهان بها، استعمالات لم تسلم من الاستغلال والتحريف إلى حد التشويه، وذلك بحكم أن المهنة التي يحيل عليها لا يؤطرها قانون أو تنظيم معين. ومن المفارقات التي تُميز ميدان علم النفس، أنه يشمل مجالات تخضع إلى تكوينات معتمدة قانونيا وتنظيميا والتي تحتضنها مؤسسات عمومية وخاصة معترف بها، كما أن عدد من القطاعات العمومية والغير العمومية تلجأ إلى خدماتها، بينما المهن والممارسات التي يؤهل إليها لازالت لا تتمتع باعتراف رسمي وتفتقر إلى تنظيم ذاتي لترتيب مزاولتها في نطاق المشروعية والشفافية، وذلك ضمانا لصحة وسلامة المواطنين من المتعاملين مع خدماتها أو تأمين الاستئناس بفوائدها المعرفية من باب التثقيف والتوعية. فالوقائع كما الحقائق التي تغطي حال الأخصائي النفسي تبدو غير مُطَمْئِنة ولا تبعث على الارتياح إن على مستوى الدعاية لما يفيد المهنة والمجال من حيث جدارة وموثوقية الممارسة (علاجية كانت أم استشارية…)، أو على مستوى التفاعلات المتنازعة حول مشروعية العمل وفيما تعلق بالآفاق التي يتطلع إليها ذوي الاختصاص بالنسبة لرهان الحق في الوجود والتنظيم الذاتي.
كلام بنعرة المجانبة ومنظار الرقابة
يروج هذه الأيام في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي كلام بمثابة حملة ذات صبغة مبطنة لمقاصد ملغومة أكثر مما يتم التصريح به حول الأخصائي النفسي، بدعوى فضح أشكال الانتحال والدجل التي تغزو ليس فقط هذه الصفة وادعاء اللقب بل أيضا وأساسا المهنة. وهذا الكلام الذي يتم تصريفه لا يستند على أية مشروعية سواء من حيث الأصل المهني أو على أساس الصفة ولا حتى من باب الاختصاص، اللهم على ما يبدو كونه يعكس آراء مُدرس ومُشَوْهَد (مُدَبْلَم/ حاصل على شهادة) في مجال من مجالات علم النفس الغير معنية لا بصفة ولا بمهنة الأخصائي النفسي المستهدف بالحملة، أي ذلك الاختصاص الذي يهم التعاطي مع الصحة النفسية والعقلية ولاسيما فيما تعلق بالعلاج النفسي. ثم إن أسلوب الكلام، الذي ينشط إعماله في حضرة تُشبه الزاوية، لايحيل على هموم من باب الاختصاص المهني لعلم النفس حتى تُحركه غيرة على الممارسة، لأن الفاعل المهني، بحكم التكوين والممارسة قبل الترخيص، يبقى في غنى عن منحى اللغو والاستجداء للدفاع عن المهنة. ذلك، أن مثل هذه الحملات الكلامية لا تخدم الأخصائي النفسي بقدر ما تخلق بلبلة من شأنها إلحاق أضرار بالصفة والمهنة والدفع إلى التضليل وتكريس الغموض السائد على مستوى تمثلات المجتمع التي يتداخل فيها علم النفس بالطب النفسي، باعتبار اشتراكهما، كل من زاوية اختصاصه، في الإحاطة بقضايا الصحة النفسية والعقلية. وقد ساهم في استشراء هذا الخلط اجتياح ظاهرة الكوتشينع المتعسف على مهام وممارسات الأخصائي النفسي. أما بالنسبة للمجالات التي يزخر بها علم النفس ولا يتوانى هذا الكلام عن إقحامها في نطاق هذه المهام والممارسات، فالتمييز بينها تحده شروط علمية وعملية مثبتة، بحيث لا تُختزل فقط في كون أدوارها موجهة جملة وتفصيلا إلى التعاطي مع الصحة النفسية والعقلية، كما هو الشأن بالنسبة لمجال علم النفس الإكلينيكي، بل تتعداها إلى شمل مختلف مظاهر السلوك في أبعادها النمائية والحياتية التي تميز الإنسان في كينونته ووجوده. ومن هذه المجالات هناك علم النفس الشغل والتنظيمات وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي، وهي المجالات الكبرى التي تتوزع عبر اختصاصات نوعية في حقل علم النفس من حيث تمايز المهام فيها والتي باتت تاريخيا تكتسب بعض المصداقية الأكاديمية في المغرب بحكم احتضان مؤسسات التعليم العالي للتكوين فيها تدريسا وبحثا وتنشيطا علميا، كما أنها تبقى غير معنية بالاضطرابات العقلية وسوء التوافق النفسي التي تعتري حياة الأشخاص. ثم إن هذا التوصيف ليس لنا فيه اجتهاد أو ادعاء الابتكار باعتبار المنظومة العلمية القائمة عالميا وبناءً على المحددات المنهجية والمعيارية والعملية التي تؤطره من حيث أشكال الفعل والاشتغال والهوية بحسب كل مجال على مستوى المهام والممارسات.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وأما ترويج مثل هذا الكلام بإسهال على إيقاع النمّام الشكّاء والذي اتخذ طابع الحملة، فهو نابع من كون ترديده لا ينبني على رصيد فكري يُذكر إن على مستوى التأطير العلمي أوالمعرفي بحثا ونشرا يفيد هذه القضايا، ولا على مستوى التكوين العملي الرامي إلى المهننة في هذا الاختصاص، بحيث يغيب تماما عن التداول والتأليف في سياق النقاشات العلمية والجامعية والمهنية، بقدر ما أنه ينتشر، أيما انتشار، عبر محطات شفوية ويعجز عن الطرح بالاستيضاح والاستدلال عبر كتابة ذات موثوقية يمكن الاستئناس بها بالإطلاع لا بمجرد القول الصارخ. فالظاهر أنه كلام ينشط في أحسن الأحوال من خلال إطلاق العنان لمنطوق مُقْحَم في عروض يُفترض أنها جامعية، أو مادة لأحاديث ضمن تكتلات هامشية، كما يتم تمريره من خلال تدوينات وتعليقات عابرة في مواقع التواصل الاجتماعي. والأدهى في الأمر، أن حَمَلة هذا الكلام، من المدرسين قبل غيرهم، من حيث ما هو مستهدف به، ليس لهم انخراط يُذكر في تخطيط وبرمجة التكوين أو دور في التأطير لهذا الاختصاص الذي يهم الأخصائي النفسي، إذ أن أغلب الجهود تنصب بتطاول وخبرة مزعومة في اتجاه الحراسة والمراقبة لمنتوج التكوين، ذلك أن دور الخبرة التربوية والتأطيرية لا محيد عنه في الوعي بحساسية مهام الاختصاص والحرص على صيانة الخصوصية، وهو الحس المفتقد عند تحريك النعرة.
إن مثل هذه الهجمات التي تستهدف الأخصائي النفسي بإقحامه في الظواهر المُمَيِّعة التي تسللت إلى الممارسة العلاجية وقد صارت تكتسح الفضاء المجتمعي، فإنها لاتخدم ما يمكن أن تنتقده بقدر ما تضر بالمهنة وبالممارسين الشرفاء وبحقل علم النفس عامة، وتخلق التباسا في النظرة المجتمعية إلى هؤلاء. لهذا، ليس لأحد الحق في الإجهاز على المكتسبات التي تحققت إلى اليوم والمتمثلة في الترخيص للممارسة وفي تطوير وتحيين التكوين وأشكال التدخل والمواكبة.
تلغيم المعنى بتلاوين الخَطْب حول مظاهر النَّصْب
بالنسبة للظاهرة المثيرة التي شكلت مطية لمثل هذا الكلام المُضمر والمتمثلة في استنكار انتشار التكوينات ذات المدى القصير خارج المنظومة المعيارية للتعليم والتي حلت كالطفيليات تستمد وجودها من التطاول على علم النفس كخلفية مرجعية لها، لاسيما وأنها تشكل مصدر ضرر للممارسة المهنية وما قد يكون لها من انعكاس على الصحة النفسية، فهذا واقع لاجدال فيه غير أنه شأن لا سلطة لذوي الاختصاص عليه وليس لمؤسسات التكوين المحترمة دخل فيه، كما أنه ليس له تبرير يُدرجه في إطار التكوين المستمر. فمن غير لف ولا دوران، إن انتشار هذه الظاهرة لاسيما فيما تعلق ببعض أساليب العلاج النفسي، ساهم فيه مدرسون وخريجي مجالات علم النفس غير ذات صلة بالصحة النفسية والعقلية، لأن انشغالات ذوي الاختصاص تبقى مقيدة بالتزامات تفرضها شروط الممارسة وظروف المهنة.
أما التشكيك في مصداقية الإجراءات التي تنهجها السلطات بدعوى حصول من خاضوا تكوينات مشبوهة، ومشفوعة بشهادات مزعومة، على رخص تتيح لهم ممارسة أنشطة مهنية بصفة الأخصائي النفسي. فهذا تشكيك ينم عن جهل تام للمساطر المعمول بها للحصول على ترخيص يسمح بالمزاولة والممارسة. وبالتالي، فمثل هذا الادعاء الباطل ينتعش من خلط الأوراق بين ما يقصده بمهنة الأخصائي النفسي والاختصاص العلمي والتكوين والرخصة، كما أنه يشكك، من جهة في مصداقية السلطات والإدارة العمومية التي تمنح هذه الرخص، ومن جهة أخرى، في أهلية التكوينات الجامعية التي تؤطر الاختصاص.
ومن المفارقات الغريبة التي تُساءِل هذا اللغو المازج لوضعية الأخصائي النفسي من طرف من يدعون أنفسهم من أهل مجاله، أنها تتزامن مع حالة التأزم التي تعتري سياق التنظيم الذاتي والوضع المهني للصحافة، كما لو أنها متلازمة أريد لها أن تصيب مشروع هذه المهنة النفسانية وهي لازالت لم يشملها بعد أي تنظيم أو تأطير قانوني. ذلك أنه في الوقت الذي يناضل أصحاب الاختصاص بمطلب التنظيم الذاتي لمهنة الأخصائي النفسي تستمر نزعة بعضهم (أغلبهم مدرسون وليسوا من المهنيين) إلى فرض طرح لهذا التنظيم والسعي إلى بسط سلطة معرفية ورقابية على خطى تأسيسه. كما أن ضعف التأطير التنظيمي للمهنيين من حيث التشبيك وجمع الشمل يظل علامة بارزة في هذا القطاع، وبخاصة لدى ذوي الاختصاص، مما جعل تقنين المهنة بعيد المنال، وقد ساهم في تشتت القوى وإضعاف جهود البناء هذا البعض من ذوي القابلية إلى الرقابة والتحكم والاستحواذ على كل ما يتصل بحقل علم النفس كما لو أنه شأن لهم أحقية أولى فيه أو ملكية لهم وصاية عليها، وذلك بالخلط بين المجالات وطمس هويتها وخصوصيتها من حيث الجمع بينها بمنطق عكسي وتعسفي. فإذا كان الحال على هذا المنوال ومهنة الأخصائي النفسي لم تصل بعد إلى مرحلة التنظيم الذاتي، فكيف سيكون عليه الوضع لما تصير هذه المرحلة واقعا قائما، ولاسيما بسعي مثل هذه السلوكات الطفيلية إلى التسلل والتغلغل في المسار المنظم مادام التطلع إلى المأسسة والتنظيم لم يسلم من تبعاتها. أما الطعن والإعابة في هذا السند الذي يوثق لمشروعية الممارسة المهنية في الوقت الحاضر، فهذا سلوك يتفنن في اللغط والهرطقة قد يترتب عنه تأزيم غير محسوب العواقب بتنميط أعمق وانحراف أوسع مما هو حاصل.
يبدو أن مناخ من الاستهداف انطلق زرعه بغاية تعويم متعدد الأبعاد، أولا بالإبقاء على رهن مصير مهنة الأخصائي النفسي في حكم المجهول، ثانيا بالاستمرار في تشتيت خصوصية الصفة حتى تظل عرضة لمن هب ودب، ثالثا بالحَطّ من مكانة التكوينات الجامعية المعتمدة رسميا والتي توفرها مؤسسات التعليم العالي المعترف بها والمشهود لها بالجودة والنجاعة في التأطير والتأهيل لممارسة عملية ومهنية وفق قواعد تنظمها معايير علمية ومنهجية وتحكمها قيم وأخلاق. وبالتالي، فمن شأن هذا الوضع المضطرب واستدامته أن يؤدي بالسلطات إلى عدم الاقتناع بشرعنة المهنة والاكتفاء، إذا دعت ضرورة الحاجة إليها، برهنها ضمن مهن الطب النفسي وطب الشغل والعمل الاجتماعي أو ما شابه. هذا في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن نيتها بالعمل على إعداد استراتيجية وطنية للصحة النفسية والعقلية تُدمج دور الأخصائي النفسي.
متاهات التهافت حول المهنية ولجم الاختصاص
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، صارت مكانة الأخصائي النفسي تستدعي الحرص على تعزيز وجودها كما الدفاع عن حضورها في المجتمع، ثم العمل على تكثيف جهود الفاعلين والمنتمين إلى حقل علم النفس في اتجاه مأسسة التنظيم الذاتي للمهنة، وهو ما سيشكل مكسبا تاريخيا للممارسين ولخريجي التكوين في مجالات الاختصاص وللطلبة المقبلين عليها. كما أن الوضعية الشرعية التي قد تفيد تقنين نظام العمل والتدخل بالنسبة لهذا الاختصاص في قطاع الصحة النفسية والعقلية لازالت تعرف نوعا من الجمود وغياب رؤية واضحة تتقاسمها كل الأطراف المعنية بالسعي نحو تحقيق شرعنة المهنة والإقرار بأدوارها العملية. وطبعا فهذه الأطراف تتمثل في السلطات والجهاز التشريعي إلى جانب المهنيين. والحال أنه كانت هناك محاولات لمبادرات سعت لخدمة هذه الغاية، غير أنها ضلت الطريق بحيث لم تتوفق في خلق تواصل ينسق بين الأطراف، وظلت تتراوح في دوائر مغلقة بين تصورات وفتاوي الجامعيين من مدرسين وخريجي تكوينات التعليم العالي. أما المهنيين فقد ابتعدوا عن هذه الضجة معتكفين على المقتضيات العملية للمهنة.
فقط للتذكير بأن المساطر والإجراءات التي تسمح بمنح الترخيص لمزاولة المهنة تتقاطع في تدبيرها قطاعات حكومية مختلفة، وبالتالي، فحيازة الرخصة تقتضي الالتزام بتدَبُّر شروطها على وقع “مسار المحارب”، بحيث أن العملية تستدعي تضحيات جسيمة تستغرق جهودا وتكاليف كبيرة وزمنا ليس باليسير، كما تعترض الممارسين خلال مزاولتهم للمهنة عدد من المصاعب المهنية التي تُدخلهم في متاهات إدارية لاتنتهي. إذ أن الأخصائي النفسي يجد نفسه مُلزم بالانضباط وفق ترتيب مختلف سجلات الإدارة ومرجعيات المهن، بحيث يخضع لمواصفات بعيدة عن خصوصية مهنته. فهذا الأخصائي عليه واجبات تجاه المواطنين وتجاه الإدارة والسلطات، لكن حقوقه فتبقى معلقة المآل وغير مُتاحة المنال. هذه الوضعية، إذن، تبقى ناتجة عن غياب الحماية القانونية والتنظيم الذاتي للمهنة. نعم، هذه الوضعية هي التي تستدعي تركيز جهود المهنيين والغيورين على المجالات المُمهننة في علم النفس من أجل وضع قانون لتنظيم المهنة، وليس لتنظيم حقل علم النفس الذي يبقى من مسؤولية الجامعيين في نطاق التدريس والتكوين. وبالتالي، فهي جهود يُفترض أن تتم بالنضال والمثابرة لتحقيق الاعتراف بالمهنة وتنظيمها الذاتي، ومن ثم الدفاع المستمر عبر مختلف الأشكال والوسائل المتاحة وفق أسس شفافة وبروح تضامنية بناءة. وفي سياق هذا المعنى، فإن التنظيم الذاتي للمهنة كما هو متعارف عليه سواء بالنسبة للمهن الحرة بشكل عام أو نسبة إلى الإطار المرجعي الذي ترتكز عليه مهنة الأخصائي النفسي بشكل خاص، هو عمل يهم المهنيين بحصر المعنى، أولئك الذين يمتهنون هذه المهنة (بناء على الترخيص الذي يسمح بشرعية الممارسة) وليس مجرد لقب أوصفة يتيحهما الانتماء إلى مسار التكوين أو التوفر على دبلوم جامعي، كما أنه ليس من شأن الجامعيين أو المدرسين أو كل حامل لشهادة تكوين إن في الاختصاص أو في المجال لإملاء وصايا أو توجيهات تخص التنظيم والممارسة. فالدور الموكول لمؤسسات التكوين (أي مسالك التعليم العالي) هو في توفير تعليم مُشرف بجودة علمية وعملية ينتهي بمنح الدبلوم (أي الماستر)، بينما المهنة فتحكمها قوانين تؤطر تنظيم العمل والمهن والخدمات في المجتمع، والمهنيين هم أولى بالاهتمام بما لها وما عليها. ومادامت مهنة الأخصائي النفسي لازالت تفتقد إلى تنظيم يضمن لها حماية قانونية ويحافظ على صون حقوقها وواجباتها تجاه المتعاملين معها، وحتى لاتبقى خارج السياق ولسد الفراغ القانوني بحكم الحاجة إليها في مختلف قطاعات الحياة المجتمعية (الصحة، المدرسة، الشغل،…أي كلما تعلق بواقع الأفراد)، فإن نظام الرخصة المتاح لها وُضع وفق ضوابط ومساطر تخضع لإجراءات تندرج في إطار الأعمال الحرة والتي تتيح مزاولة العمل في إطار مشروع.
ولوضع الأمور في سياقها الصحيح كما توصي بذلك المرجعيات العلمية والمواثيق العالمية من جهة، ومن جهة أخرى وفق ما تنص عليه متطلبات التكوين التي يقتضيها الاختصاص والبروفايل المتفرع عنه، بل كذلك بحسب ما تقتضيه القواعد المنظمة للتكوين ضمن منظومة التعليم العالي، فإن نوعية ومواصفات البرنامج الذي يتفرد به هذا التكوين ومنها الشروط البيداغوجية والعملية اللازم توفرها، لاسيما ما تعلق بالتداريب السريرية والتعاطي الفعلي مع الإشكالات التي تعترض الصحة النفسية والعقلية، تمثل ضمانة جوهرية. فمسعى الحصول على شهادة تؤهل للممارسة العملية من طرف الأخصائي النفسي يخضع لمجموع هذه العوامل والتدابير التي تُلزم مؤسسة التكوين التقيد بها، وذلك في إطار محطة سلك الماستر، على أساس أنها المحطة الأساسية التي تفيد الانتماء إلى الاختصاص وتؤهل لحمل الصفة، ومن ثم تشكل إشهادا على أهلية الممارسة المهنية للأخصائي النفسي، وأما بالنسبة للاختصاصات الأخرى في علم النفس، كتلك التي سبق ذكرها، فيتخذ صاحبها صفة الأخصائي مقرونة بالمجال الذي ينتمي إليه تكوينا وإشهادا، والذي يبقى غير معني قطعا بمهام التشخيص أو التكفل العلاجي لعلل الصحة النفسية والعقلية. ويبقى، على كل حال، مثل هذا التوصيف أوالترتيب لمرجعية الاختصاصات والمجالات من تحديد مقنن لإطار مُنظِّم للمهنة. فإلى ذلك الحين وإن كانت هناك حقيقة لابد من التأكيد عليها، هي تعتُّر انتظام المهنيين والممارسين من ذوي الاختصاص في بنيات جمعوية قوية لجعل السلطات العمومية والهيئة التشريعية تلتفت بجدية إلى وضعية تنظيم المهنة، وذلك بالاستئناس بالتجارب الدولية. وأما دور الجامعيين من أساتذة مدرسين وباحثين في العملية التأسيسية من اللازم أن يبقى في نطاق الاستشارة والإفادة العلمية من أجل طرح تصور ومنظور للتأطير العلمي، والتوقف عن الإفتاء والسعي إلى بسط الوصاية والرقابة على المجال المهني ومهننة الاختصاص، فيكفي أن أصل ومصدر التأهيل يعودان إلى التكوين ومع ما ينتج عنه عند الممارسة قياسا إلى الكفاءة والجودة. وأما استمرار الحال على ما هو عليه بين أهل علم النفس مدرسين وباحثين وأخصائيين وخريجي التكوينات مرده التمادي في تجاذبات تحركها نزعات ونزوات أكثر مما تستثيرها اتجاهات علمية أو مذهبية، وهو واقع عمّر طويلا بحيث أفضى إلى إبقاء الوضع على حاله. بيد أن الرهانات والتحديات التي تواجه الحقل بمجالاته المختلفة، سواء على مستوى الممارسة أو التطبيق أو البحث، وفي مختلف القطاعات الاجتماعية تبقى كبيرة وتستدعي تضافر وتوحيد الجهود، وهي أكبر خدمة يمكن تقديمها لعلم النفس بالمغرب. وإذن، كفى من تلك المساعي التي تعمل على تحريف اختصاصات علم النفس من حيث الميل إلى جعلها في “سلة واحدة” والتي تتبنى منطقا يحيل على المفهوم السوسويولوجي لدوركهايم والمتمثل في التضامن الميكانيكي الذي لا يميز التخصص عكس التضامن العضوي القائم على هذا التمييز. لأن التمييز في التخصص بين المجالات هو مؤشر جوهري من حيث الأهمية والمشروعية التي يكتسيها علم النفس، ولاسيما بالنسبة للأخصائي النفسي المعني بمتاعب واضطرابات الصحة النفسية والعقلية، هذا الذي تحكم عمله شروطا تطبيقية ذات أبعاد نظرية ومنهجية وأخلاقية خاصة.
فبالاحتكام إلى العقل والمنطق، وحتى تحقق أهداف المبادرات البناءة التي ترمي إلى جعل مهنة الأخصائي النفسي محمية ومُحصَّنة لا مفر من تكتل المهنيين حول مطلب المأسسة عبر التنظيم الذاتي خارج سلطة الجامعة بقدر ما يمكن للجامعيين المعاونة إذا اقتضى الحال، ومن شأن هذه الخطوة أن تشكل مكسبا لمجموع مجالات علم النفس، بل وأساسا بترتيب أشكال الممارسة والتدخل كما الإسهام في تطوير آفاق التكوين. إن معايير المنظمات الدولية التي تؤطر علم النفس والتجارب القائمة في عدد من البلدان الأوروبية وغيرها، لاسيما تلك التي تتبنى نفس منظومة التعليم العالي المعمول بها في المغرب، تبقى بمثابة مراجع شاهدة على واقعية هذه الخطوة بما تفترضه من تعبئة جماعية. لأن الإشكالات المطروحة على مهنية وممارسة الأخصائي النفسي تنعكس لا محالة على السياق العام الذي يتواجد فيه علم النفس، وقد حان الوقت لتنظيف “البيت” وتنظيمه فيما يخدمه نسبة إلى قطب الممارسات والتطبيقات، وقطب الدراسة والتكوين، وقطب البحث العلمي.
-مدير المدرسة العليا لعلم النفس- الدارالبيضاء
إقرأ الخبر من مصدره