الحكم الذاتي في الصحراء

Écrit par

dans


د. عبد الإله الخضري*

في أعماق الجدل السياسي المحيط بقضية الصحراء المغربية، يبرز قرار مجلس الأمن عدد 2797 (المؤرخ في 31 أكتوبر 2025) الذي يقضي بدفع أطراف النزاع نحو مفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية لإيجاد حل توافقي يجمع بين السيادة الوطنية وحق تقرير المصير. غير أن هذا القرار ليس مجرد رسم هندسي للأراضي أو توزيع فني للاختصاصات الإدارية، بل هو، في جوهره، اختبار سياسي ومؤسساتي يختبر مدى استعداد الدولة للانتقال من نمط إدارة مركزية ضابطة إلى نموذج سلطة ذاتية حقيقية.

من هذا المنظور، لا يُقاس نجاح الحكم الذاتي بقيمته الخطابية أو الدبلوماسية فحسب، بل بقدرته على إحداث قطيعة جذرية مع أنماط التدبير الإداري التي أثبتت، عبر التاريخ، عدم انسجامها مع المعايير الأممية للحكم الذاتي الحقيقي. إن هذا التحول ليس خيارًا عاديًا أو تلقائيًا أو بسيطًا في تفعيله، بل حالة سياسية وقانونية تقتضي إيجاد حلول، على المدى البعيد، لإشكالات كبيرة ومزمنة، من أجل ضمان صدقية المقترح أمام المجتمع الدولي بالدرجة الأولى.

في سياق القانون الدولي، واستنادًا إلى أدبيات الأمم المتحدة، يُعرَّف الحكم الذاتي كشكل من أشكال تقرير المصير الداخلي، لا كمجرد توسيع للامركزية الإدارية. إنه يمنح سكان الإقليم المقصود سلطة سياسية وتشريعية وتنفيذية مستقلة، تُمارَس دون وصاية يومية من الدولة المركزية. هذا التعريف ليس تأويلًا سياسيًا قابلًا للمناقشة، بل معيار قانوني صارم يفصل بين الحكم الذاتي الحقيقي، الذي يُجسِّد بوضوح مبدأ الحكم الذاتي (Autonomie avec autogouvernement)، والحكم الذاتي الشكلي الذي يقتصر على اللامركزية الإدارية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ووفقًا لقرارات مجلس الأمن وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة، يجب أن يكون الحكم الذاتي قابلًا للتنفيذ على النحو الذي يجعله أداة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة المتنازع عليها. وأي محاولة للالتفاف على جوهر هذا المفهوم لا تعدو أن تكون مخاطرة بفقدان الاعتراف الدولي، خاصة في سياق قضية مثل قضية الصحراء، حيث تُعد الالتزامات بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة سقفًا غير قابل للتجاوز.

من هنا، يبرز التشخيص البنيوي للإشكال في الحالة المغربية كأحد أبرز التحديات. فالمنظومة الإدارية المغربية، بطابعها المركزي-الأمني، تعتمد على هيكل يشمل نظامًا إداريًا مركزيًا في فلسفته. يتعلق الأمر بمنصب الوالي وكذا العامل والباشا والقائد، يُعيَّن أصحابها بظهير ملكي ويخضعون ترتيبيًا لوزارة الداخلية. هؤلاء يمتلكون نفوذًا واسعًا في مجالات الأمن والتنظيم والترخيص وضبط المجال العام، مما يُمكِّنهم من تعطيل أو توجيه عمل السلطات المنتخبة. بل إن هذا النفوذ قد يمتد إلى تقييد صلاحيات وزراء في الحكومة المركزية نفسها.

هذا النمط يتعارض موضوعيًا مع المعايير الأممية، إذ يقوم على منطق الوصاية الإدارية بدلًا من التفويض السياسي الحقيقي. سياسيًا، يعني ذلك أن أي حكم ذاتي يُبنى على هذا الأساس سيبقى أسيرًا للديناميكيات المركزية القائمة، مما يُقوِّض مصداقيته ويفتح الباب لانتقادات دولية حول عدم الالتزام بمبادئ الحكم الرشيد كما هي متعارف عليها أمميًا.

غير أن هذا التعارض ليس قدريًا أو مستحيل الحل، بل قابل للمعالجة بشرط إجراء قطيعة واعية مع دور وزارة الداخلية في الإقليم المعني. ذلك أن المبدأ الأساسي هنا هو عدم انسجام الحكم الذاتي الحقيقي مع الوصاية الداخلية الشاملة، إذ يفترض الحكم الذاتي نقل مركز القرار السياسي إلى المؤسسات المنتخبة. قانونيًا، يتطلب ذلك تعديلات دستورية أو تشريعية تضمن استقلالية الإقليم في التسيير اليومي، مع الحفاظ على السيادة الوطنية في المجالات الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يمكن الإبقاء على منصب الوالي والعامل، لكن بشرط أن يحصل تحول جذري في صلاحياتهما وأدوارهما. يجب أن يتحول الوالي من «حاكم فعلي» إلى مجرد ممثل للسيادة المركزية، مقتصرًا على الدفاع، والأمن الاستراتيجي، واحترام الدستور، والتنسيق الرمزي. هذا الدور يشبه المفوض السامي في بعض الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي، مما يضمن التوازن بين الوحدة الوطنية والاستقلالية الإقليمية دون انتهاك للالتزامات الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، يتعين نزع السلطة التدخلية اليومية من هؤلاء المسؤولين. في إطار حكم ذاتي حقيقي، لا يحق للوالي أو العامل تعطيل قرارات الحكومة الجهوية، أو توجيه الاجتماعات السياسية، أو التحكم في التراخيص الاقتصادية. بدلًا من ذلك، تنتقل كل هذه الصلاحيات إلى المستوى الإقليمي مع رقابة برلمانه، مما يعزز مبدأ المسؤولية السياسية أمام السكان، لا أمام جهاز مركزي.

أما مصير منصبي الباشا والقائد، فيتطلب إما إلغاء هذه البنية داخل الإقليم، أو إدماجها في إدارة جهوية خاضعة للحكومة المحلية، مع الإبقاء على أجهزة سيادية خالصة مثل الجيش والدرك. سياسيًا، يعني هذا الإصلاح تعزيز الديمقراطية المحلية وتقليل مخاطر التوترات الإقليمية، بما يتوافق مع توصيات الأمم المتحدة حول حل النزاعات سلميًا.

لاستلهام دروس عملية، مع مراعاة الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل حالة، يمكن النظر إلى تجارب مقارنة ناجحة. في كاتالونيا بإسبانيا مثلًا، لا يوجد جهاز وصاية إداري تابع لمدريد، ويظل دور ممثل الدولة محدودًا، بينما تسيطر الحكومة المحلية على الشرطة الإقليمية والسلطات الإدارية المحلية بمختلف قطاعاتها. كذلك، في جنوب تيرول بإيطاليا، تتمتع الإدارة المحلية باستقلالية، ولا يتدخل ممثل الدولة في التسيير اليومي للإقليم. أما غرينلاند، فتحتفظ الدولة المركزية بالسيادة فقط، بينما تمارس الحكومة المحلية صلاحيات واسعة دون وصاية.

إذن، فالقاسم المشترك في هذه النماذج يتمثل في غياب جهاز إداري مركزي مهيمن داخل الإقليم، مما يضمن التوازن بين الاستقلالية والوحدة الوطنية. هذه التجارب تثبت أن الإصلاحات المؤسساتية يمكن أن تحول التحديات إلى فرص، شريطة الالتزام بالمعايير الدولية.

ولذلك، فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بموضوعية هو: هل يمكن تحقيق حكم ذاتي مغربي دون إصلاح عميق؟ بصراحة مؤسساتية، لا يمكن ذلك إذا استمر نفوذ وزارة الداخلية بنفس الصيغة، إذ سيبقى الحكم الذاتي شكليًا وغير حقيقي، وبالتالي لن يكون مقنعًا أمميًا، وغير مقبول محليًا، وضعيفًا كنموذج دستوري داخلي. لكن نعم، يصبح ذلك ممكنًا إذا أُعيد تعريف دور الوزارة أو جُمِّد نفوذها داخل الإقليم.

إن ما نناقشه هنا ليس تفصيلًا إداريًا، بل الاختبار الحقيقي لصدقية الحكم الذاتي المغربي: إما سلطة سياسية فعلية، أو استمرار منطق الإدارة الترابية الضابطة مع واجهة جهوية منتخبة. والجمع بينهما قد يلقى اعتراضًا أمميًا صريحًا، مما يجعل الإصلاح ضرورة استراتيجية لتعزيز الاستقرار والاعتراف الدولي.

لا شك أن نجاح مقترح الحكم الذاتي الحقيقي للأقاليم الصحراوية يعتمد على الإرادة السياسية للانتقال نحو نموذج يحقق التوازن بين السيادة والحرية، بما يساهم في حل سلمي يخدم الجميع، ويضع حدًا لحالة استنزاف ونزاع مفتعلين، لا أقل ولا أكثر.

دستوريًا، يفرض النقاش الجاد حول حكم ذاتي حقيقي بالأقاليم الجنوبية إعادة النظر في الفصل 145 من الدستور، الذي يكرس منطق الوصاية الإدارية عبر تمكين الولاة والعمال من سلطة الإشراف والتنسيق والمراقبة على الجماعات الترابية. ودون المساس بأسس وحدة الدولة واختصاصات الملك الدستورية، فإن استمرار هذا الفصل بصيغته الحالية يطرح إشكالًا بنيويًا حقيقيًا، ليس فقط على مستوى تنزيل الحكم الذاتي، بل أيضًا فيما يتعلق بتفعيل الجهوية المتقدمة كما نص عليها الدستور نفسه.

إذ لا يمكن تصور نقل فعلي لمركز القرار السياسي والاقتصادي إلى المستوى الجهوي، في ظل بقاء آليات دستورية تؤسس لتفوق السلطة المعينة على السلطة المنتخبة. وعليه، فإن أي تصور جدي للحكم الذاتي يقتضي إما إعادة تأويل عميق لهذا الفصل بما يحد من منطق الوصاية، أو مراجعته صراحة لضمان انسجامه مع فلسفة الحكم الذاتي ومعايير تقرير المصير الداخلي كما هي متعارف عليها دوليًا.

ومن منظور نسقي، لا يمكن استشراف نجاح تجربة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية بمعزل عن إصلاح شامل للمنظومة الإدارية على مستوى مجموع التراب الوطني. فالحكم الذاتي الحقيقي، حتى وإن انطلق من خصوصية مجالية، يفترض الانتقال من إدارة قائمة على منطق التعليمات والتوجيهات العمودية إلى إدارة ترابية حديثة، قادرة على لعب دور الرافعة الأساسية للمشاريع التنموية المحلية والجهوية.

وهو ما يستوجب القطع مع الأساليب البيروقراطية، والمبالغة في التراتبية الإدارية، والتشبث الجامد بحرفية النصوص القانونية. وبدلًا من ذلك، ينبغي اعتماد مقاربة مرنة واستباقية ومندمجة، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي تفرضها العولمة والتنافسية الترابية. فالإصلاح الإداري، في هذا السياق، ليس غاية في حد ذاته، بل عملية استراتيجية (processus stratégique) تهدف إلى تطوير بنيان الإدارة العمومية وتحديث أدوات اشتغالها، بناءً على فلسفة جديدة تجعل تركيبتها (sa configuration institutionnelle) أكثر نجاعة وملاءمة لمقومات التنمية ومتطلبات الحكامة الترابية.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل حقيقي لنظام الجهوية المتقدمة، ليس كشعار دستوري، بل كاختيار سياسي ومؤسساتي متكامل ومنسجم، كأرضية طبيعية لنجاح نموذج الحكم الذاتي. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري لا يمكن تفاديه: هل يمكن تحقيق الإصلاح المنشود عبر تعديلات محدودة وتأويلات مرنة داخل الدستور الحالي؟ أم أن الأمر يستدعي، بحكم عمقه البنيوي وأبعاده الاستراتيجية، مراجعة دستورية صريحة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة المركزية والسلطات الترابية على أسس جديدة تقوم على الثقة، والتفويض السياسي الحقيقي، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

ناشط حقوقي وباحث أكاديمي

إقرأ الخبر من مصدره