
حميد زيد – كود//
كان هذا قديما.
كان هناك في الماضي من يقول إن الكرة هي أفيون الشعوب.
كان هناك من يحور جملة ماركس الشهيرة حول الدين.
كان هناك من يقول إن السلطة هي التي توظف كرة القدم لتخدير المواطنين.
لكن لم يعد هذا الاستعمال صالحا اليوم.
بعد أن اختفى الواقع بالكامل. واختفت السلطة. واختفى المواطنون.
واختفت الحاجة إلى التخدير.
ولم تعد هناك سوى سلطة الكرة.
ولم يعد هناك سوى الجمهور.
وبطولة تسلمك إلى بطولة. وكأس إلى كأس. ولا تنتهي الكرة إلا لتبدأ.
أما الواقع.
أما العالم.
فكل هذا حكاية من الماضي.
و يطُل عليه الإنسان.
ثم يعود بعد ذلك إلى عالم الكرة.
فلا توجد الكرة إلاّ لتخفي عدم وجود الواقع. مع كامل الاعتذار لجان بودريار.
و “الحياة” كلها الآن داخل الملعب.
وتبدأ كل مرة. وتتجدد. مع صافرة البداية. وتنتهي مع صافرة النهاية.
وهكذا إلى الأبد.
بينما في الخارج لا يوجد شيء.
حيث لم يعد مقبولا ولا مسموحا القول إن الكرة أفيون الشعوب.
لأنه لم يعد من الممكن أبدا العودة إلى الحياة ما قبل الكرة.
و لأن الكرة لم تعد في حاجة إلى أن تخدرك.
ولا لأن يتم توظيفها لشغلك عن القضايا التي تهمك.
ولجعلك تنسى واقعك.
لكن أينه.
أين هو هذا الواقع
بعد أن عوضه واقع آخر. “فوق واقعي”.
و بعد أن حلت كرة القدم محل كل القضايا.
وبعد أن قامت بإخفاء كل الذين يرفضون الدخول إلى ملعبها.
والذي لا اشتراك لهم. ولا تذكرة.
والذين لا يتابعونها.
والذين لا دراية لهم بكرة القدم.
ورغما عنك.
وحتى لو كنتَ ضد الكرة. وغير مهتم بها. فإنك مضطر إلى أن تلهث خلفها.
منتزعة منك الشاشة. والحب. واللغة. والكلام. والأولاد. والوقت. والنوم.
وكل ما تملك.
و مهما حاولت أن لا تهتم بها فإنك في النهاية ستهتم بها.
لأن من قوانينها أن تشفط الجميع إلى داخلها.
كي لا يبقى أحد في الخارج.
وكي لا يبقى مال. ولا تجارة. ولا أرباح. ولا حياة. إلا فيها.
ويقول المعلقون الحكماء. والذين يتحلون بالروح الرياضية. إن كرة القدم مجرد لعبة.
بينما هي أكبر من لعبة.
و الدليل على أنها ليست كذلك هو ما يتقاضاه كريستيانو رونالدو.
وهو راتب ميسي. وحكيمي…. بينما اللعب بطبيعته مجاني.
لذلك كل الدول الآن تتنافس على الدخول إلى الكرة.
و بكل أموال قطر
وبكل ما تملك. فإنها تهرع إليها. و تُدخل إليها العرب. وغير العرب.
كما في الماتريكس.
فقطر لا وجود لها خارج الكرة. إنها فارغة. وخالية من أي أثر للحياة. ولا وجود إلا لفوق-قطر.
و هي التي يمتلىء فيها سوق واقف بالجمهور. ليوهمونا أنهم في الواقع.
بينما هو واقع مصنوع صنعا.
ومصور. وفيه محاكاة. وفيه تحكم. وفيه إخفاء لعدم وجود الواقع.
ولذلك يدخل المغرب هو الآخر الكرة.
ولا يريد الخروج منها.
وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي لها كرتها الخاصة. ورغم كل قوتها. فقد اقتنعت أنه من الضروري أن تدخل بدورها.
كي لا تجد نفسها وحيدة في الخارج.
خارج عالم منظمة الفيفا.
التي لم تعد تسمح للإنسان بأن يستريح من الكرة.
كما لم تعد تسمح لنا بأن نرى الواقع.
ولا العالم الذي تركناه خلفنا.
ومن مسابقة إلى أخرى. وأي فراغ. وأي وقت تعثره عليه الفيفا. فإنها تملؤه.
أما الأفيون
أما كل المخدرات والمسكرات
فهي ضرورية الآن للبشر
ليستيقظوا
و ليتذكروا
عالمهم الذي لم يعد موجودا
و ليتذكروا واقعا
جاءت الكرة لتخفي عدم واقعيته.
وقد كان مفتوحا للجميع
ولكل الشرائح
أما الآن وبعد أن سيطرت الكرة على كل شيء
وتحكمت في الجميع
فأنت في حاجة إلى تحميل تطبيق يالا
وبعد ذلك عليك أن تحصل على الفان أي دي الخاص بك.
ثم على التذكرة.
كي تدخل إلى ملعبها.
وما كان قد تنبأ به جان بودريار
فإنه تحقق الآن
وفوق ما كان يتوقع
ليختفي الجمهور هو الآخر
و ليصبح كل مشجع عبارة عن هوية رقمية
تخفي
اختفاء المشجع.
و أي شخص ليست له هذه الهوية الرقمية
فإنه غير موجود
كما حدث لكثيرين كانوا دائما في الملعب
ليجدوا أنفسهم هذه المرة خارجه
دون أن يستوعبوا ما حدث.