قطرات وعبرات

Écrit par

dans


محمد جباري

عادةً ما ترتبط الأمطار في المخيال الجماعي للشعوب بالخير والخصب والبركة والحياة، التي تدب في كل الكائنات الحية، بمجرد هطول القطرات الأولى؛ مصداقاً لقوله تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”. بل إن الإنسان نفسه، الذي يعتقد أنه سيد الطبيعة، لا قيمة ولا حياة ولا مستقبل له على وجه البسيطة دون ماء. هذا العنصر الذي يُذكر مساوقاً للازدهار الاقتصادي والسلم الاجتماعي والوفرة في الإنتاج الفلاحي، الذي يضمن الأمن الغذائي للشعوب.

إذا كان المطر على هذا النحو من التمثل والتصور، فإن الحال عندنا نحن في “مغرب السرعتين”، ينقلب الفرح إلى حزن، والخير إلى شر، والبهجة إلى فاجعة، والحياة إلى موت! نعم يا سادة، إنما الواقع كذلك وليس هلوسات مرضية، أو أحكاماً مجانية، أو تصريفاً لحقد مدفون، أو هي حساسية مفرطة ضد المطر إن شئتم.

نحن المغاربة، ربما نكون أكثر الشعوب ارتباطاً وتعلقاً بالمطر والماء عبر تاريخنا المديد. ولا شك أن للجغرافيا يد في ذلك، حيث إن موقع البلاد يتميز بأزمات دورية متعاقبة بين الخصب والجفاف، هذا الأخير الذي ما زال يجثم علينا منذ سنوات. لذلك نرتبط بالمطر والماء بعلاقة وجدانية أحياناً، وتنافرية أحياناً أخرى. بالنسبة للعلاقة الأولى، تختصرها مقولة المقيم العام الفرنسي بالمغرب “ليوطي”، عندما انتبه لهذه العلاقة وقال إن الأمطار هي التي تحدد مستقبل ومزاج المغاربة، إن حزناً وكآبةً وقنوطاً، أو بهجةً وانشراحاً. ولعل مقارنة بسيطة للأسعار والأسواق قبل الأمطار وبعدها تبين أن للأمطار كلمة الحسم في السوق المغربية. الأكثر من ذلك، أننا نجد أن المطر يضرب بجذوره في عمق الذاكرة الجماعية المغربية. فمن منا لا يعرف أو لم يقل – عندما كان طفلاً – أنشودة: (آ شتا تا تا تا، أولاد الحراثة، أصبي صبي، أولادي في القبي). وكما يظهر من هذه الأنشودة التراثية، فإن المغربي دائماً يطلب المزيد من الأمطار؛ لأنه يربط قدره وغده بها، ولأنه يفتقد القدرة على صنع والتحكم في مستقبله، الذي يقوم أساساً ومنذ قرون على الزراعة البورية التي تغطي أغلب المساحات المزروعة بالبلاد. فالفلاح المغربي يبدأ في الاستعداد للموسم الفلاحي بداية من شهر شتنبر وأكتوبر، وإذا تعذر، يأمل في نونبر ودجنبر، فإن لم ينزل، يتضرع إلى السماء ويقيم صلاة الاستسقاء. ففي هذه النقطة، صرح أحد الشيوخ “أنهم كانوا إذا انحبس المطر، كانوا يقيمون صلاة الاستسقاء ويتضرعون بالدعاء وهم حفاة ويرتدون جلابيبهم مقلوبة، وذلك كرمز للتذلل والعبودية لله لعله يشفق عليهم ويغيثهم من فضله”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

والمفارقة الغريبة والحالة هذه، أنه في زحمة هذه العلاقة الوجدانية الحميمة بين المغاربة والمطر، ثمة علاقة خوف وتبرم وحذر وتشنج موازية لها؛ لأن المطر أيضاً مقرون عندنا بالفاجعة والموت والفقد والتخريب. لكن ما يهمنا في هذا السياق هو تباين ردود فعل المغاربة إزاء الكوارث التي تتسبب فيها الأمطار. ففي الماضي، كان يُنظر إليها ككارثة طبيعية وقدر لا مفر منه، أو كغضب وعقاب إلهي على مساوئ وذنوب البشر. لكن اليوم الوضع يختلف تماماً، إذ تأسست الدول وأقيمت الحكومات والوزارات والسلطات التي تدبر الشأن العام، فلم تعد تُصوب أصابع الاتهام إلى القدر أو الطبيعة، بل بات المسؤول المباشر هم النخب السياسية المنتخبة من الشعب الذي فوض لها تدبير شؤونه في إطار عقد اجتماعي.

لقد أعادت فيضانات آسفي التي خلفت عدداً من الوفيات والمفقودين إلى الواجهة نقاشاً وجدلاً قديماً جديداً بالمغرب، يتعلق بدور الفاعل السياسي والمسؤول في إدارة وتدبير المجال الترابي وتجويد الخدمات، وعلى رأسها البنيات التحتية وقنوات الصرف الصحي، قصد استيعاب واحتواء مياه الأمطار، وبالتالي ضمان أمن المغاربة الذي يعد حقاً من حقوق الإنسان الدستورية.

صحيح أن أوروبا المتقدمة نفسها لم تسلم من الفيضانات والكوارث التي تباغتها بين الفينة والأخرى. لكن السؤال هنا: هل أوروبا تغرقها دقائق أو سويعات الأمطار ومقدار السيول لدينا؟ هل كمية الأمطار عندنا وعندهم هي نفسها؟ هل نتوفر على البنيات التحتية نفسها التي توجد بأوروبا؟ لنفترض أن تتساقط عندنا نفس كمية الأمطار التي تهطل هناك، ماذا يا ترى سيكون مصيرنا؟ هل ستتحمل (قواديسنا) تلك السيول؟ أظن أننا سنلقي حتفنا جميعاً ربما. والله أعلم.

إن الفيضانات قبل أن تكون قدراً محتوماً وكارثة طبيعية، هي نتيجة لمسؤول مقصر في أداء واجبه، وهي كذلك فضح للفساد والتراخي والعبثية والانتهازية والتلاعب بمصارف وحياة المواطنين الذين انتخبوهم ليضمنوا لهم حقوقهم وخدمات ذات جودة، وهي شهادة دامغة على انعدام التخطيط الحضري للمدن، وانعدام الرؤية الاستراتيجية في إعداد وتدبير المجال الترابي. والدليل هو السماح بالبناء والسكن في مجرى الوادي كما في وادي الشعبة بآسفي، وكذا كما حدث قبل سنوات في فيضانات العيون. فدور المنتخب السياسي هنا ليس منع الوادي من الرجوع إلى مجراه الطبيعي الذي تطفل عليه الإنسان، ولكن دوره هو إعداد مشاريع لاحتواء والتحكم في مجرى الوادي دون خسائر، كما فعلت سابقاً الإدارة الفرنسية مع وادي الشعبة بآسفي. هناك سؤال طالما طرحه المواطنون: لماذا المشاريع (كالقناطر والطرق…) التي أنجزتها فرنسا الاستعمارية ما زالت صامدة، بينما التي يسهر على إنجازها المنتخبون تطبعها الهشاشة والزوال في أول اختبار من قبل الكوارث الطبيعية؟ ولنتذكر هنا فضيحة الطريق والقنطرة التي قيل فيها النقد الساخر: (الحديد الرقيقة…). إننا هنا لا نسعى للمزايدة أو الانتصار لطرف على آخر، ولكن واقعنا يفرض هذا التشخيص للقطع مع الفساد والعبثية الذي ينخر مجتمعنا، ويجعل المواطن المغربي متمزقاً في مغرب يمشي بسرعتين كما قال جلالة الملك محمد السادس.

إقرأ الخبر من مصدره