
فؤاد بنبشينة
تمزّق الذاكرة وأزمة سياسة .. آسفي نموذجا
الذاكرة إعادة خلق، حلم، حياة.. وليست غرق، موت، تهميش.
ذاكرتنا لها جذور، فإن لم تستطيعوا حماية أغصانها أتركوا جذورها تعيش في سلام على أرض شهداءها وأبطالها ونساءها العظيمات. مؤسف وحزين لحدّ أن الأعين ابيضت، يبدو أن ما يقع للوطن، وآسفي وطن قبل أن تكون مدينة داخل الوطن؛ ما قبل كيماويات المغرب 1و2، وما قبل وإبان زمنية الاستعمار والقطارات البخارية المحملّة بالفوسفاط من «الويجانطي-اليوسفية» إلى ميناء آسفي، مرورا بمعامل تصبير السردين التي ماتت هي الأخرى وغابت معها أصوات النساء المناضلات، وما تعيشه الآن من فوضى سياسية ونقابية، فلبرما كانت أصوات النساء داخل (إ.م.ش) أبلغ من أصوات نصف الرجال الآن، كانت قلب حضارة وفضاء الدبلوماسية المغربية..
اليوم، وقبل سنوات ضاع قلب المدينة وسط الفساد والمفسدين ولا أخلاقيات السياسة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
إن أخطر ما يقع للوطن/ للأرض أن يُعلِن حالات الاستسلام أمام: نصف مثقف، نصف سياسي، نصف نقابي، نصف مقاول، نصف أستاذ، نصف امرأة، نصف وزير، نصف طبيب…إلخ.
النصف غير الشرعي واللا-عادِل: نصف الحياة.
أن تفوز بالغش واستغلال المال العام واستمالة الناس بالأكاذيب؛ هذا شكل اللا-شرعية السياسية، فكيف لنا تحقيق حياة صدق وأمانة على أرضنا؟ لقد كتب عبد الكريم غلاب في مُؤلَّفِه: «قراءة جديدة في تاريخ المغرب العربي، مغرب الأرض والشعب، عصر الدول والدويلات»:
»الأرض تصنعُ الشعوب والشعوب لا تَصنع الأرض، إلا عندما تَستخرِج كنوزها من بحورها وسهولها وجبالها وصحرائها: غذاءً وكساءً ومعادن وحصونا وملجأ عندما يشتد الروع ويطغى الطاغي ويتنمر الخصم ويعتدي المعتدي«.
الحياة شكل ثقافة وحالات اجتماعية جيّدة.
تتحددّ الرضاع عند جميع الكائنات الثديية في عامين، بما فيها الإنسان، فقط الاختلاف في زمن عند كل كائن من هذه الكائنات، لكن هذا النصف المثقف لم يتوقف عن سفّ كل شيء ومصّه ما إن يتملّك “البزولة”. إن اللا-اجتماعية الحياة شكل موت مختلف عن الموت الطبيعي، أن نموت لا يعني أن نُقتل عمداً؛ فماضينا لا يمكن أن يكذب فيه علينا أحد، حيث إن النساء اللواتي أطلقن زغاريدهن من فوق أسطح المدينة القديمة داخل الأسوار سرورا بالاستقلال ورحيل المُستعمِر، اليوم نجدهن يصرخن من أعماق التاريخ بكلمة «عتقوني.. عتقوني»، مواويل الاستغاثة من قمم الجبل أيقظت «الخيل التي ماتت وأعناقها تطال السماء كبرياء» بتعبير عبد الرفيع الجواهري، ولم توقظ فينا شيئا، هل لهذا الحدّ وصلت الزعامة السياسية، وما النقابة هي شكل عربة زينة بدون مُحرّك خارج قانون مدونة 65 – 99 في 2003، فهل تناسينا جذور مقرات ومركزيات حقوق مدننا؟ إن كل بلدة هي قلب الفضاء الدامج لها وهو الوطن في امتدادات تاريخه وجذوره ما قبل النواميس القديمة والديانات السماوية، حيث إن أسماء بلداتنا وصفاتها لها جذور ما قبل ظهور اللغة وداخل اللغة الأمازيغية، هذه الجذور هي جذور الوطن وقد شمِلت جميع طبقاته: رجال الدين، والتجار، والحرفيين، والفلاحين، والمهنيين التقليديين، والمثقفين، والسياسيين والنقابيين والأطفال التلاميذ، والنساء، فضلاً عن البورجوازية المتوسطة من مختلف الجنسيات والديانات التي تعايشت في سلم وآمان داخل أسوار مدينة آسفي، كذلك البروليتاريا التي نشأت بسبب تطوّر الإنتاجية الصناعية والمصانع والمعامل وأوراش التحديث المعاصرة والتي اتخذت من الهامش أشكال حياة لم تجد عن السياسي أدنى جهد ثقافي واجتماعي لتحقيق توّسع مديني يليق بتاريخ وجذور هذا الوطن، وماذا يعني نصف الثقافة إن لم يكن يعني التهميش والإقصاء وسيبة المال العام وتبييض الفساد وتفريخه في أشكال حضانات تتزايد خارج أخلاقيات التسيير والتدبير العقلاني، ها هو الفساد تطوّر واتخذ شكل الكائنات الثديية التي تحميه وتُطعِمه وتسهر على رعايته حليبا ولا فِطاما إلى أن يموت من يسِفّ ويمصّ ولا يبقي شيئا، حتى الأحلام قبل أن تصير فعلا سفّها سفّاً، يقول المثل المغربي: «صعيب فراق بزولة الوطن».
الهامشية الاجتماعية: هامشية قروية ومدينية.
عندما تنقلب العلامات الجيّدة للقرية والمدينة فثمّة هناك خلل وعطب ما في عقل السياسة وفيروس خطير في قلب فنّ التدبير والتسيير. لكن هل ينقصنا عقل وقلب سياسيين؟ سؤال ملتبس، من ضاع قلبه قادر على إحراق وإغراق المدينة وليس تهميشها فقط، العقل ليس معطى إنه يُبنى معرفيا وعلميا، لكن القلب لا يخرج عن اثنين: إما صلاح أو فساد ومن فسد قلبه وتمكن من “البزولة” وجب فطامه بسلطة القانون ومحاسبته بالقلب الصالِح لا بالورقي. الذي نعيشه اليوم ليس قوّة طبيعية وإلا لما تحققت استمرارية هذا الوطن، فعديدة هي الأزمات والكوارث والمجاعات تجاوزها هذا الوطن، فالمشكل في أزمة تسيير وتدبير خارج المراقبة قبل المحاسبة وليس «حْتى فاتْ الفوتْ عادْ سَوَّلْني كِبْقايْت»، هنا أصبحنا أمام برودة وطنية، صقيع سياسي في ضبابية سرعته الثانية التي تتنافى مع وضوح السرعة السياسية الأولى. فالهامشية الاجتماعية اليوم استضاحت لنا التحولات الإثنانية في القلب المغربي: قلب صالِح حكيم عادِل وقلوب طالِحة فاسدة حرّفت مبادئ الاشتراكية والاستقلالية ورامت تحقيق نصف بورجوازية أو هو التَّبرجُز الجديد الذي تناوله محمد برادة في سرديته «موت مختلف» بالمصّ والسّف والسطو على اجتماعية المجتمع مستغلين أماكن الظلام والتطرف السياسي وحذلقات النصف-مثقف باعتباره العقل الذكوري الحائض الذي يدعي مهارات الفكر والتفكير المستقبلي، وهذا خطر «الثقافة العشوائية» التي تنهار عند أول اختبار، نصف-مثقف حين أقحم ذاته واستغل الفراغ، ماذا صنع؟ صنع لنا سرعة أخرى وهي السرعة القصوى إلى الخلف. فعلا وصدقا للنظرة العادية إن ما نعيشه هو موت مختلف مثل طعنات الغدر، ويفترض علينا محاربته بمدرسة سياسية جديدة وبثوب ولون وشعار يليق بالسرعة الحكيمة، وبآليات إعلامية وصحافية صادقة قريبا من قلب قريتنا ومدينتنا باعتبارهما قلبين مدمجين في قلب دامِج لهما وهو «القلب الوطن»
أختم؛ الوطن ليس لعبة، إنه روح، كما هي أيضا قرانا ومدننا أرواح لقلوب لها جذورها، إن الوطن رحيق وعطر الحياة الجيّدة بما يتناسب وثروات أرضه وقيمة هويته، الوطن مرآة العقل والقلب، إنه الروح الآمنة الحكيمة السالمة السليمة، وعليه تشترط الحب وسرعة موحدة، ولكل مجتهد نصيب ولكل فاسد رقيب وتأديب، طبقات وطنا ليست للتعذيب الرمزي والمادي.