لم يكن المشهد داخل قبة مجلس المستشارين، الاثنين، عاديًا. فبعد مصادقة اللجنة المختصة على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بأغلبية 6 أصوات مقابل 5، ثم تمريره في الجلسة العامة وسط جدل سياسي حاد وانسحاب جماعي لفرق المعارضة احتجاجًا على رفض الوزير المهدي بنسعيد لجميع التعديلات، بدا واضحًا أن الإصلاح الموعود يُكتب هذه المرة بحبر الأغلبية الحكومية فقط، لا بروح التوافق المهني الذي ظل مطلبًا مركزيًا للجسم الصحافي والنقابات.
في خضم هذا المناخ المشحون، خرج حزب الحركة الشعبية عن صمته، ليضع المشروع على مشرحة النقد السياسي والمؤسساتي. ففي بلاغ مكتبه السياسي، اعتبر الحزب أن المصادقة على القانون بصيغته الحالية لا تمثل مخرجًا للأزمة، بل تكريسًا لها، مؤكدًا أن النص، رغم اكتسابه الشرعية الدستورية، لا يرقى إلى مستوى انتظارات المهنيين ولا يضمن استقلالية فعلية للمجلس. الحزب شدّد بوضوح: “الإصلاح لا يمكن أن يقوم على الشرعية القانونية وحدها، بل يحتاج إلى شرعية الثقة والقبول المهني الواسع”.
وأضاف البلاغ أن المجلس في صيغته المقترحة سيظل أسيرًا لنفس الأعطاب التي عطّلت دوره سابقًا، ومنها:
-
ضعف التمثيلية المهنية الحقيقية داخل هياكله
-
غياب التوازن بين السلط داخل المجلس
-
ارتهان القرار الداخلي لمنطق الوصاية الحكومية
-
استمرار التعامل مع التنظيم الذاتي للقطاع بمنطق الأغلبية لا التوافق
الحزب لم يكتفِ بالنقد، بل دعا صراحة إلى إعادة فتح النقاش المؤسساتي حول النص، وإشراك النقابات والهيئات المهنية بشكل فعلي، واعتماد منطق التوافق بدل منطق الغلبة العددية، لأن “قطاع الصحافة لا يُصلح بالقانون فقط، بل بالإيمان الجماعي بالمؤسسة التي ستسهر على تطبيقه”.
إصلاح يغيّر البنية أم يغيّر فقط الواجهة؟
من الناحية القانونية، مرّ مشروع القانون من المسالك الدستورية السليمة، لكن سياسيًا ومهنيًا، يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا:
هل نحتاج إلى مجلس جديد أم إلى مجلس مختلف؟
فالمجلس الوطني للصحافة الذي أُريد له أن يكون حارسًا لأخلاقيات المهنة ومدافعًا عن استقلالية القطاع، يجد نفسه اليوم موضوعًا لتشكيك مزدوج:
تشكيك المعارضة التي اعتبرت أن الحكومة أجهضت التعديلات
وتشكيك جزء من الأحزاب الوسيطة، وعلى رأسها الحركة الشعبية، التي رأت أن الإصلاح بصيغته الحالية لا يقدّم ضمانات استقلال القرار، ولا يطمئن المهنيين بأن زمن التدبير القديم قد ولّى
هذا التخوف يتعزز حين يتعلق الأمر بملفات حساسة مثل منح البطاقة المهنية، ضبط أخلاقيات المهنة، أو قضايا حرية التعبير، وهي الملفات التي يرى منتقدو النص أنها قد تتحول من اختصاص تنظيمي ذاتي إلى أداة تحكّم غير مباشرة إذا لم تتوفر استقلالية فعلية داخل المجلس.
الحركة الشعبية: صوت الوسيط المنتقد
ما يميز موقف الحركة الشعبية ليس فقط نقده للمشروع، بل تموقعه السياسي. فالحزب الذي ظلّ تاريخيًا جزءًا من أحزاب الوسط القريبة من منطق التوازن، بدا هذه المرة أكثر انحيازًا إلى منطق الدفاع عن الثقة المهنية بدل الاصطفاف السياسي.
موقفه يمكن تلخيصه في ثلاث رسائل مركزية:
-
المجلس يحتاج إلى ثقة الصحافيين قبل ثقة البرلمان
-
الأغلبية العددية لا تكفي لإصلاح قطاع يقوم على التعدد
-
القانون دون قبول مهني… قد يتحول إلى عبء بدل أن يكون ضمانة
بهذا المعنى، بدا الحزب وكأنه يقول للحكومة: “لقد مرّرتم النص… لكنكم لم تمرّروا الطمأنينة”.
مستقبل الصحافة بين نص شرعي ومؤسسة غير مطمئنة
اليوم، وبعد المصادقة النهائية، لم يعد السؤال:هل سيمر القانون؟ — لقد مرّ. بل السؤال الحقيقي: هل سيمر أثره الإصلاحي؟ وهل سيمر معه إيمان الصحافيين بالمجلس؟
فإذا ظلّ المجلس القادم شرعيًا بنص القانون، لكنه فاقدًا للثقة الواسعة داخل القطاع، فسيكون أمام سيناريو إصلاح منقوص:
مؤسسة بغطاء قانوني، لكن دون قوة تنظيمية ذاتية حقيقية، وهو ما يعني عمليًا أن الأزمة قد تتبدّل في الشكل، لكنها قد تستمر في الجوهر.