
حميد زيد – كود ////
الإنسان لم يعد موجودا.
وكل تعريفاته السابقة لم تعد صالحة هي الأخرى بسبب موت المعرَّف.
فهو الآن ليس حيوانا ناطقا. ولا عاقلا. ولا اجتماعيا. ولا رامزا.
كل هذا انتهى.
وعلى أنقاض الإنسان ظهر صانع المحتوى.
طبعا. هناك من لا يزال على قيد الحياة.
و يقاوم.
لكنها مسألة وقت.
وقريبا سيختفي الإنسان. ويحل محله صانع المحتوى. في كل المجالات.
وفي كل الأنحاء.
وقريبا سيهيمن هذا الذي يمكن أن نسميه الهومو-مؤثر.
والمتفرج في كأس أمم إفريقيا سيلاحظ غياب الإنسان في الملاعب.
وفي المدرجات.
بعد أن عوضه صناع المحتوى.
حيث لا أثر للجمهور القديم. ولا للمشجع القديم.
إنه الآن خارج الملعب.
و مطرود.
و مغيب.
ولا هوية رقمية له. و لا فان أي دي.
والكل صانع محتوى.
ومن خصائص صانع المحتوى. ذكرا أو أنثى. أنه لا تهمه إلا نفسه.
ولا يشجع إلا من أجل نفسه.
ولا يصفق إلا من أجل نفسه.
ولا يقفز إلا من أجل نفسه.
ولا يذهب إلى أي مكان. ولا يحصل على التذكرة. إلا من أجل نفسه.
على عكس الإنسان السابق.
الذي كان يذهب إلى الملعب من أجل ناديه.
ومن أجل منتخبه.
ومن أجل لاعبه المفضل.
ومن أجل الجماعة التي ينتمي إليها.
بينما الهومو-مؤثر هو جماعة نفسه.
وهو النجم. ولا نجم غيره.
و تجذبه الأضواء. أينما كانت. وتجذبه المصائب. والكوارث الطبيعية. ليصور نفسه.
ولا يهمه ضحايا الزلزال مثلا.
ولا تهمه كرة القدم في حد ذاتها.
إلا إذا كانت ستمنحه التألق.
وستسمح له بالظهور من خلالها.
بل إن كل همه هو صورته. وهو أن يربح منها. ويروج لها.
ويربح من الغريق.
ومن الذي تحت الردم.
ومن كل القضايا. ومن كل المناسبات. ومن كل الأحداث.
وهو الآن في الشوارع.
و في الشاشات.
وفي الأسواق.
وأينما وليت وجهك فإنك لا ترى إلا الهومو-مؤثر.
وفي كل المهن.
وفي البرلمان.
وفي الإعلام.
وقد حدس رجل سياسة. اسمه محمد أوزين. بذكائه. موت الإنسان السياسي.
وكي ينجو بنفسه.
وكي يدافع عن نفسه.
وكي يظل على قيد الحياة. فإنه قرر أن يتحول إلى صانع محتوى.
في حرب جديدة كل من يخوضها هم من الهومو-مؤثر
ولو ظل أوزين مجرد رجل سياسية. وزعيم حزب. لكان اختفى مع كل الذين اختفوا قبله.
لكنه فطن للأمر.
وقرر. في اللحظة الحاسمة. أن يقفز إلى عصر الهومو مؤثر.
وإلى هذا العالم الذي يلغي كل العوالم الأخرى.
والذي لا يسمح لك بالوجود.
إلا إذا صورت نفسك. وعشت في الصورة.
حيث لا حياة الآن إلا من خلال الصورة.
و لا واقع إلا في ظل غياب الواقع.
ولا صحافة
إلا إذا أطللت من الشاشة
ولا أحد يخرج
ولا أحد يدخل
إلا من خلال الصور
في عالم اختفى فيه البشر
وكل ما نراه
ليس إلا نسخا لنا
في مجتمع
لا يعيش فيه الواحد منا
إلا ليصنع المحتوى.
ومن لا يؤثر
ومن لا يصنع المحتوى
فهو يلفظ أنفاسه الأخيرة
وحين يحاول النهوض
تدهسه أقدام بشر
يشهرون هواتفهم في وجهه
و لا يعني لهم شيئا
ولا يغفرون له
ولا يعترفون به
إلا إذا سمح لهم بأن يحولوه إلى صورة
وبأن يضعوه داخل الشاشة
وبأن يلتهموه
ليشبعوا به محتواهم الذي مهما أكل
فإنه يظل جائعا.