الخط : A- A+
ظل حزب الاستقلال وزعيمه ولجنته التنفيذية يتفرجون على الخرجات المثخنة بالضربات التي وجهها مدير جريدة الحزب ولسانه الناطقة باسمه تحت استغراب ودهشة الرأي العام.
خرجات مدير لسان حزب الاستقلال، وهو يرد على بلاغ اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، يصعب تفسيرها أو إيجاد سند لها في المرجعيات السياسية والإدارية لحزب الاستقلال، لكونها مليئة بالألفاظ القوية وغير المبررة، خاصة حينما نعت بلاغ اللجنة بالبؤس والغباء، وصوب سهامه نحو الهيئة وأعضائها وأسلوب عملها، واتهمها بشتى التهم، وكأنه يسعى إلى جر اللجنة، رئيسا وأعضاء، إلى مواجهة سياسية وإعلامية لا دخل لهم فيها. ولسائل أن يسأل عن السبب أو الدوافع التي جعلت مدير جريدة الحزب يتطاول بقوة على هيئة من هيئات الحكامة المنصوص على تأسيسها دستوريا، ليكون الجواب غريبا جدا، وهو أن البقالي حينما انتقل إلى مقر الهيئة ليضع طلب الملاءمة للمجلس الوطني للصحافة، كان ينتظر أن يجد رئيس اللجنة في استقباله أمام باب المقر، وأن لا يتم التعامل معه كمواطن مرتفق، بل ربما كبرلماني سابق، ومدير جريدة حزبية، وعضو بارز في حزب سياسي.
قد يكون عبد الله البقالي بصفتيه الإعلامية والحزبية، اعتاد على مثل هذه الخرجات، ولربما بفضلها تمكن من الوصول إلى البرلمان بل وإيصال زوجته، ولربما كان يفكر بأن يدفع بابنته أيضا إلى القبة التشريعية، شأنه في ذلك شأن البرلمانيين المشهورين في القصر الكبير ووزان ومراكش، وهذا الأخير دفع بالعديد من أفراد عائلته إلى البرلمان وكان يفكر في ترشيح قطته، ومثل هذه الممارسات هي التي أدت للأسف إلى عزوف الشباب عن الممارسة السياسية، وأضعفت المشهد الحزبي في المغرب. نعم مواجهات الصحافي عبد الله البقالي كثيرة وقد قادته إحداها الى المواجهة مع الراحل محمد الوفا بحيث وجه إليه اتهامات وصلت إلى حد مسه في صفاء ذمته. كما أن خرجاته للدفاع عن اليوتوبر حميد المهداوي، جعلت منهما معا، ثنائيا يتربع على بودكاسات الإثارة، بل جعلت من المهداوي هو لسان حزب الاستقلال بدل جريدة العلم التي كسر مديرها كل المعايير الإدارية المرتبطة بحس المسؤولية والتسلسل الإداري.
فمسؤولية مدير الجريدة تفرض على صاحبها الاستقالة من المسؤولية الإدارية، قبل الخروج إلى أية مواجهة مع هيئات عمومية ورسمية، وإلا فبصفته مدير جريدة ناطقة باسم الحزب، فإن الكلام الصادر عنه يصبح منسوبا للحزب بزعيمه ولجنته التنفيذية، ومالم يراجع الحزب أوراقه ويفتح تحقيقا حول هذه الخرجات، فإن كل ما ورد على لسان البقالي، يلزم مباشرة الأمين العام لحزب الاستقلال بصفته وشخصه، وبالتالي يجب هنا تحديد المسؤوليات، بل وفتح تحقيق حزبي وإداري في الموضوع.
لقد استعمل عبد الله البقالي ضد لجنة حماية المعطيات الشخصية لغة مليئة بالتهجم، ولم يقدم أية أدلة أو حجج منطقية أو قانونية، كما أعلن عن ذلك في بداية البودكاست، قبل أن يتملص منها في وقت وجيز، وهنا نسأله ونسائل حزبه: هل نعت بلاغ اللجنة بالبئيس يليق بصحافي مهني قضى في الممارسة الصحفية سنينا طويلة؟ وهل نعت ناشري البلاغ بالغباء عمل أخلاقي يليق بالمهنة ورسالتها النبيلة؟.
ثم إن البقالي حينما يتهم لجنة حماية المعطيات الشخصية، بأنها أصدرت البلاغ لتحويل اهتمام الرأي العام عن ملف المهداوي “المظلوم” في رأيه، فهو بذلك يوجه اتهاما ظالما إلى اللجنة بنفسها، ما دامت اللجنة لم تتحدث عن موضوع المهداوي، بل قدمت توضيحات عن منهجية عملها ومسطرة حماية المعطيات الشخصية، وهنا يبدو واضحا أن البقالي سعى إلى حشر موضوع المهداوي في خرجاته، للبحث عن المتابعين وربما لتهييئ نفسه لما بعد مغادرة جريدة العلم.
والأخطر من كل هذا وذاك، هو أن البقالي ظل يشهر في خرجته صفة انتمائه إلى حزب الاستقلال، وكأنه يلمح بأنه محمي من طرف هذا الحزب، ولا يمكن لأي أحد أن يطالبه بالامتثال للقانون واحترام المؤسسات، علما أنه يورط حزبه في مستنقع لا يليق به ولا بالمسؤولية الحساسة التي يتولاها، ومنها كونه عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب، كما أنه مدير أكبر وأهم مؤسسة حزبية، وهي جريدة العلم، أي أن الكرسي الذي يجلس عليه هو نفسه الذي جلس عليه علال الفاسي وبنبركة وبوعبيد والقباج وغلاب والمساري والسحيمي… وبالتالي، فقد كان عليه أن يمتثل لهذه الرمزية التاريخية، ويكون واعيا بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، بل ويتفادى كليا الزج بحزبه وبنفسه في مواجهة مع لجنة حماية المعطيات الشخصية، لا لشئ إلا لإرضاء المهداوي ومن أجل عيونه ولسانه.
فهل يرضى حزب الاستقلال بهذا الانجراف المعيب؟، وهل يقبل أمينه العام، نزار بركة، بأن يتحالف مدير جريدة الحزب مع شخص امتهن السب والتشهير يوميا، بهدف الحصول على أموال اليوتوب والأدسنس؟. فما قام به البقالي حوله بين ليلة وضحاها إلى متعهد لشخص يجتهد كثيرا في تلطيخ أصول المهنة وتخريب قواعد الصحافة الاحترافية ومصداقيتها، بل والجر بها إلى جنس جديد من البودكاستات غير المنضبطة، مادام يسعى إلى تحويل المهنة إلى مجرد تنشيط بهلواني لا يراعي فيه تداعيات ما يصدر، فهل يرضى الرئيس السابق للنقابة الوطنية للصحافة المغربية بهذا المصير للمهنة، وبهذا الاعوجاج الذي يقتل روح المهنة ومقوماتها وقواعدها وأخلاقياتها، بل يزج بها الى عالم الشعوذة الإعلامية، لاستمالة الجمهور وللربح المادي (ونحن بهذا ننتظر ردوده وهجماته علينا مرة أخرى كما اعتاد منذ شهور).
وأخيرا، نريد أن نهمس في أذن عبد الله البقالي، بأننا لا ننتظر منه شيئا لفائدة المهنة ما دام هو نفسه من منح للمهداوي بطاقة الصحافة بحد أدنى للأجر لا يتجاوز 2000 درهم، بينما تم فرض حد أدنى للأجر ب 4000 درهم على الآخرين!، بل ونسائله عن لوائح الصحافيين التي تملص من المسؤولية بخصوصها: أليس هو نفسه رئيس لجنة منح البطاقات في المجلس، فلماذا لم يعمد إلى نشرها، علما أن العديد من الدول الأوروبية لا تنشر هذه اللوائح، إلا إذا تعلق الأمر بطلب جهة ما للتحقق من صفات الصحافيين، والمعطيات التي نتوفر عليها تؤكد أن أي مواطن لجأ إلى المجلس الوطني للصحافة، رسميا، لطلب التأكد من صفة شخص هل هو صحافي أم لا، قدم له الجواب رسميا في حينه، كما أن المجلس تلقى عدة طلبات مماثلة، حسب علمنا، من الشرطة القضائية في إطار التحقيق تحت إشراف النيابة العامة.
وأخيرا، فإنه من واجب الصحافيين أن لا تلهيهم مثل هذه المواجهات المثيرة، وإلا فإن الواجب يفرض علينا فتح ملف تدبير مالية النقابة الوطنية للصحافة والهيئات التابعة لها منذ عدة سنوات، عبر توجيه ملتمسات إلى المجلس الأعلى للحسابات، وهذا هو لب الموضوع، ومربط الفرس إن كان للفرس مربطا.