الخرافة الغذائية على شاشاتنا

Écrit par

dans


عبد الإله الرضواني

شاهدتُ مؤخراً مقتطفاً من برنامج «مع الحكيم» على قناة الجزيرة مباشر، استضاف فيه الأستاذ أحمد صبحي «الدكتور» كريم علي، الذي صرّح بأن علينا تجنب شرب حليب البقر لأنه لا يصلح للاستهلاك البشري. تصريحه قد يبدو للبعض نصيحة صحية، لكنه في الواقع مثال صارخ على كيف يمكن للإعلام أن يتحول إلى منصة لترويج الخرافة الغذائية دون أي دليل علمي واضح، وبلا مساءلة حقيقية. وما يثير القلق هو أن هذا الخطاب لا يقتصر على قناة واحدة أو دولة واحدة، بل نسمع كلاماً شبيهاً من أشباه كريم علي، الذين في غالبهم متطفلون على علوم التغذية، في برامج تلفزيونية وإذاعية أخرى عبر مختلف الدول العربية، من بغداد إلى الرباط، متكرراً بالأسلوب نفسه، والمبالغات نفسها، والادعاءات الجذرية نفسها حول الأغذية الأساسية.

لم يعد ما يُعرض على شاشاتنا التلفزية وإذاعات الراديو، فيما يُسمى بهتاناً بـ«برامج التغذية»، مجرد اجتهادات خاطئة أو آراء شخصية قابلة للنقاش، بل أصبح ظاهرة إعلامية متكاملة تقوم على تبسيط مُخلّ للعلم، وترويج ممنهج لمعلومات صحية غير مثبتة، تُقدَّم للجمهور على أنها حقائق نهائية. من المحيط إلى الخليج، يتكرر المشهد ذاته: شبه خبير يتحدث بثقة مطلقة، مذيعون يبتسمون ويهزون رؤوسهم موافقين، وجمهور يُطلب منه أن يصدق دون أن يُمنح أبسط أدوات التفكير النقدي.

في كل بلد عربي يظهر النموذج نفسه تقريباً، مع اختلاف اللهجة فقط. شخص يُقدَّم بصفة «خبير تغذية» أو «باحث في الصحة»، دون توضيح دقيق لتكوينه الأكاديمي أو تخصصه الحقيقي، ودون أي إحالة إلى أبحاث منشورة أو مراجع علمية معترف بها. هذا «الخبير» يبدأ عادةً بتشكيك شامل في الطب الحديث، ويتبنى خطاباً يوحي بأن الحقيقة محتكرة لديه وحده، بينما بقية العالم الطبي إما جاهل أو متواطئ.

تتحول الأغذية الأساسية في هذا الخطاب إلى متهمين دائمين. يُقدَّم الحليب كسم بطيء، دون أي تمييز بين عدم تحمّل اللاكتوز أو حساسية بروتينات الحليب وفوائده الغذائية المثبتة في عشرات الدراسات السريرية. ويُدان الخبز بالجملة، دون تفريق بين الإفراط والاعتدال، أو بين الحبوب الكاملة والمكررة، أو بين مرضى السيلياك (الداء الزلاقي) والأشخاص الأصحاء.

ويُصوَّر اللحم كأصل كل الأمراض المزمنة، دون أي نقاش علمي جاد حول البروتينات والحديد وفيتامين B12 أو حدود الاستهلاك الصحي. ويُقدَّم السكر كسم قاتل يجب تجنبه بشكل نهائي، دون التفريق بين السكريات السريعة الامتصاص والسكريات البطيئة والمركبة، أو حدود الاستهلاك الصحي. هكذا تُختزل التغذية، بكل تعقيدها البيولوجي، في عناوين شعبوية صالحة للاستهلاك التلفزيوني والإذاعي فقط.

الأخطر من ذلك هو الانتقال من مهاجمة الغذاء إلى إعادة تفسير المرض ذاته. فجأة، تُعزى أغلب الأمراض، من الإرهاق البسيط إلى السرطان، إلى مفاهيم أحادية السبب مثل «الكبد الدهني»، أو «ارتشاح الأمعاء»، أو «مقاومة الإنسولين»، أو «الالتهابات»، دون تعريف طبي دقيق أو معايير تشخيص معترف بها. هذه المصطلحات، التي تُستخدم بلا ضوابط، تتحول إلى شماعة تُعلّق عليها كل الحالات، وتغني عن أي تحليل علمي حقيقي، وتمنح «الخبير» سلطة تفسير مطلقة لا يمكن دحضها.

وفي هذا السياق، يتم تجاهل أو إنكار دور الوراثة في الأمراض المزمنة بشكل شبه كامل. في زمن أصبحت فيه الجينات محور الطب الحديث، تُقدَّم للجمهور رواية مبسطة وساذجة مفادها أن كل الأمراض مكتسبة، وأن تغيير نمط الأكل وحده كفيل بمحو التاريخ العائلي والبيولوجي للإنسان. هذا الخطاب لا يناقض رأياً علمياً بعينه، بل يناقض تراكمًا هائلاً من الدراسات الجينية والوبائية التي لا خلاف حولها داخل المجتمع العلمي.

تبلغ هذه الشعبوية ذروتها عند الحديث عن الكوليسترول الضار (LDL) وصحة القلب. يتم التقليل من خطر LDL، بل والسخرية من دوره في مرض تصلب الشرايين، رغم وجود مئات الدراسات السريرية والوبائية، وتوصيات واضحة من جميع الجمعيات القلبية العالمية. لكن في هذه البرامج السخيفة، يكفي اتهام الطب الحديث بالخضوع لشركات الأدوية كي يُلغى العلم كله بجملة واحدة جذابة وسهلة التداول.

وسط كل هذا العبث، يقف مقدمو هذه البرامج في موقع لا يقل خطورة. فهم لا يطرحون أسئلة حقيقية، ولا يطلبون مراجع، ولا يستضيفون رأياً علمياً مخالفاً، ولا يمارسون أبسط قواعد الصحافة الصحية. يكتفون بدور الناقل الصامت، أو الشريك المريح، الذي يسمح بمرور أي ادعاء ما دام يُقال بثقة ويحقق نسب مشاهدة. الصمت هنا ليس حياداً، بل تواطؤ مهني واضح.

ما يحدث في هذه البرامج التلفزية والإذاعية لا يمكن تبريره بحرية الرأي أو اختلاف المدارس. فحرية التعبير لا تعني نشر معلومات طبية غير مثبتة، والاختلاف العلمي لا يكون بإلغاء المنهج العلمي نفسه. نحن أمام فوضى معرفية تُغذَّى يومياً، وتُقدَّم للجمهور على أنها وعي صحي، بينما هي في الحقيقة تشويش خطير وصناعة للجهل الغذائي الذي يهدد الصحة العامة ويقوض الثقة في العلم.

الخلاصة أن إعلامنا، في جزء كبير منه، تخلى عن دوره التنويري في المجال الصحي، واختار الطريق الأسهل: التبسيط المُخل، والإثارة الرخيصة، وتسويق «الخبير» بدل المعلومة. وما لم تُفرض معايير واضحة وصارمة لما يُقدَّم باسم الصحة والتغذية، ستظل شاشاتنا وإذاعاتنا مصانع لإعادة إنتاج الجهل، لا منصات لبناء وعي صحي حقيقي. السؤال الحقيقي لم يعد: من هؤلاء الخبراء؟ بل: لماذا ما زال إعلامنا متواطئاً معهم ويمنحهم الكاميرا والميكروفون؟

-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي
معهد قطر لبحوث الطب الحيوي – جامعة حمد بن خليفة

إقرأ الخبر من مصدره