Accueil رآي عندما يغتالنا الغيث المنتظر “آسفي أنموذجا”

عندما يغتالنا الغيث المنتظر “آسفي أنموذجا”

0

فاجعة آسفي: قراءة في ارتباك الحكامة المائية وهدر السيادة المائية

في مشهد تراجيدي تتداخل فيه أزمة العطش بفواجع الغرق، يجد المواطن نفسه أمام مفارقة صارخة تتحدى العمق الاستراتيجي للسياسات العمومية؛ فبينما نرفع الأكف طلبا للغيث، تتحول النعمة المنتظرة بسبب سوء التدبير إلى نقمة تجرف الأرواح، ولعل فاجعة السيول في إقليم آسفي لم تكن مجرد حادث عرضي، بل هي إدانة صريحة لمدى نجاعة المنظومة القانونية والتدبيرية في مواجهة المخاطر المناخية.

فلا يخفى علينا جميعا أن بلادنا اليوم تمر بمنعطف مناخي حاد، تتقاذفه أمواج “النقيضين”، جفاف بنيوي يهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، وفيضانات فجائية جارفة تحول زخات المطر إلى مآتم وطنية، ولعل ما شهدته مدينة آسفي مؤخرا من سيول جارفة أدت إلى فقدان أرواح بريئة وأضرار مادية جسيمة، ليس مجرد “قضاء وقدر” أو غضبة عابرة من الطبيعة، بل هي إدانة صريحة وواضحة لفشل السياسات العمومية في تدبير الكوارث، وعجزها الصارخ عن تحويل “المخاطر” إلى “موارد” ضمن استراتيجية وطنية مندمجة تليق بحجم التحديات.

إن تلك المشاهد المؤلمة التي جرفت الأنفس والممتلكات، تضعنا أمام تساؤل أخلاقي وتقني محوري، كيف لبلد يئن تحت وطأة “الإجهاد المائي الحاد” أن يسمح بمرور هذه الكميات الهائلة من المياه لتتحول إلى قوة تدميرية دون تحصينها في سدود تلية أو قنوات تجميع تحتضنها؟

فغياب التخطيط الاستباقي في المناطق التي تصنف علميا كنقاط سوداء مهددة بالفيضانات، يكشف عن هوة سحيقة بين الشعارات الرسمية والواقع الميداني، فالفاجعة لم تكن بسبب “قوة المطر” بقدر ما كانت نتيجة لـ “ضعف البنية” وغياب الرؤية التي تجعل من تدبير الكوارث آلية لتعزيز المخزون المائي، لا مجرد خلية إدارية لإحصاء الضحايا وتوزيع التعازي.

لقد استبشرنا خيرا في تنزيل مضامين “المخطط الوطني للماء 2050″، الذي رصدت له ميزانيات ضخمة وراهن على حلول هيكلية، وفي مقدمتها السدود التلية؛ هذه المنشآت التي كان من المفترض أن تكون صمامات أمان مزدوجة الوظيفة، تحمي القرى والمدن من خطر الفيضانات، وتعبئ المياه في الفرشات المائية الباطنية أو استغلالها محليا في سنوات القحط، إلا أن واقع التنزيل أبان عن تأخر وتراخ لا مبرر له، فالمشاريع المبرمجة تتعثر في ردهات الإدارة والمساطر البيروقراطية، بينما يسبقنا التغير المناخي بخطوات متسارعة، فالعجز والبطء في تنزيل مضامين هذا المخطط، خاصة فيما يتعلق بالشروع في تنزيل وتوزيع السدود التلية على الأحواض الأكثر عرضة للسيول، هو الذي يجعل من كل زخة مطر تهديدا وجوديا بدل أن تكون فرصة لترميم العجز المائي الذي وصل لمستويات غير مسبوقة، مما يجعلنا أمام مفارقة مبكية؛ أن تعلن الحكومة عن دخول البلاد في أزمة الإجهاد المائي ودق ناقوس الخطر، في حين تضيع ملايين الأمتار المكعبة من مياه الفيضانات سدى بسبب غياب الرؤية الحصادية.

إن السياسات العمومية الحالية المتخذة على مستوى تدبير الموارد المائية لا تزال حبيسة المنطق التقني الضيق الذي يرى في الفيضان عدوا يجب التخلص منه عبر قنوات الصرف نحو البحر في أسرع وقت، بدلاً من تبني مفهوم “حصاد المياه” كخيار استراتيجي، فهذا الربط المفقود بين تدبير الكوارث وتنمية الموارد المائية يعكس تشتتا مؤسساتيا خطيرا، حيث تعمل القطاعات الوزارية في جزر معزولة، مما ينتج عنه نزيف مركب، هدر للأرواح والممتلكات المادية وهدر للثروة المائية.

وبالتالي فإننا لا نحتاج اليوم لمزيد من المخططات الاستعراضية التي تعرض في القاعات المكيفة، بل نحتاج إلى سرعة في تنفيذ السدود التلية وإخراجها من خانة الوعود إلى حيز الوجود بشكل يستجيب للسرعة كإجراء استباقي، مع تفعيل حقيقي للمساءلة السياسية بشأن كل قطرة ماء ضاعت وكل روح أزهقت بسبب غياب التخطيط الاستباقي، فمآسينا المتكررة مع السيول وغيرها من الكوارث الطبيعية المتكررة يجب أن تكون صرخة يقظة للضمير التدبيري، فاستمرار التعامل مع الكوارث الطبيعية كأحداث معزولة عن أزمة الماء هي “خطيئة استراتيجية” كبرى، لأن الأمن المائي يبدأ من القدرة على ترويض العواصف وتحويل نقمة السيول إلى نعمة تروي عطش الأرض والعباد قبل فوات الأوان.

إقرأ الخبر من مصدره