فوبيا المغرب

Écrit par

dans


عبد الله أوباري

كأنَّ المغرب صار مرآة تُرعب جاره الشرقي كلما انعكس فيها نور نجاح أو بريق إنجاز. فما إن يخطو المغرب خطوة إلى الأمام، حتى ترتجف بعض المنابر الجزائرية، ويعلو صوتها بالإنكار والتشكيك، وكأنها تخشى أن يفضح الضوء عتمتها. إنها فوبيا المغرب مرض سياسي وإعلامي مزمن يلتهم العقل قبل أن يلتهم الكلمة، ويحول كل حدث مغربي إلى كابوس يطارد النظام هناك وإعلامه.

أصبح المغرب في السنوات الأخيرة، مرآة تعكس لجاره الشرقي كل بريق نجاح أو ومضة إنجاز، فتثير في داخله ارتباكاً لا يخلو من خوف. فما إن يخطو المغرب خطوة إلى الأمام، حتى ترتجف بعض المنابر الجزائرية، وتعلو أصواتها بالإنكار والتشكيك، وكأنها تخشى أن يفضح الضوء عتمتها الداخلية ويكشف هشاشة خطابها. هذه الحالة ليست مجرد خلاف سياسي، بل هي ما يمكن وصفه بـ “فوبيا المغرب”؛ وهي مرض مزمن يلتهم العقل قبل أن يلتهم الكلمة، ويحوّل كل حدث مغربي إلى كابوس يطارد النظام هناك وإعلامه، ويكشف في العمق أزمة ثقة بالنفس وعجزاً عن مواجهة الواقع. إنها صورة من صور ما وصفه ابن خلدون بـ “الانهزام النفسي أمام التفوق الحضاري”، حيث يصبح نجاح الآخر مرآة تكشف ضعف الذات بدل أن تكون حافزاً للتنافس البناء.

كأس إفريقيا للأمم 2025 كانت المثال الأوضح المغرب، الذي استثمر في الملاعب والبنية التحتية، ونال ثقة الاتحاد الإفريقي، قدم للعالم صورة بلد قادر على التنظيم وعلى الاستقبال وعلى الاحتفاء بالكرة الإفريقية وبالإعلام الافريقي والعالمي. لكن الإعلام الجزائري لم ير في ذلك إلا مؤامرة”، وراح يفتش في زوايا الوهم عن صور مفبركة وأخبار زائفة، ليقنع نفسه، ومحاولا إقناع الآخرين، أن المغرب غير قادر على تنظيم الكأس القارية، وأن البطولة ستسحب منه؛ كاشفا بذلك عن عقل يرفض أن يرى الملعب مكتملا، والجماهير مرحبة، والنجاح حاضرا؟

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وصول المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، وهو إنجاز رياضي تاريخي، لم يستقبل هناك كفخر إفريقي، بل استقبل كـ “هزيمة سياسية”. حاول الإعلام أن يقلل من الإنجاز، بل وصل إلى حد التشكيك في أصول اللاعبين، وكان الدم المغربي حين يختلط بالعرق والجهد يصبح تهديدا وجوديا.

ربما وجد النظام الجزائري في العداء للمغرب وسيلة لتوحيد الداخل وصرف الأنظار عن أزماته الاقتصادية والاجتماعية. فبدل أن يواجه أسئلة المواطن حول البطالة، أزمة السكن وتراجع الخدمات، اختار أن يوجه بوصلة الإعلام نحو العدو الخارجي”، ليبرر به الفشل الداخلي ويصنع خطابًا يوميًا مشبعا بالتحريض. محولا الإعلام إلى آلة لتصدير الأزمة. يفتش في كل خبر مغربي عن ثغره، ويحوّل كل نجاح إلى مؤامرة، حتى صار المغرب في المخيال الرسمي الجزائري هو الآخر المخيف” الذي يجب مهاجمته بلا توقف.

المغرب، بحضوره القوي في الاتحاد الإفريقي، وبشراكاته الاقتصادية المتنامية، وبمشاريعه الكبرى في الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والصناعة، صار ذلك العدو الذي يستحضر صباح مساء.

كل خطوة مغربية تُقرأ في الجزائر كخسارة، وكل نجاح يُترجم هناك كتهديد، حتى عدت المملكة في نظر بعض المنابر مجرد مرآة تعكس إخفاقاتهم. والحقيقة أن هذا السلوك لا يعكس سوى هوس مرضي، أشبه بما يسميه علماء النفس “الفوبيا الجماعية”؛ حيث يتحول الآخر إلى كابوس دائم. وقد تجلى ذلك بوضوح في واقعة مراسل قناة النهار، الذي دخل المغرب لتغطية كأس إفريقيا 2025 دون احترام المساطر القانونية المراقبة الروتينية داخل المنشآت الرياضية كشفت مخالفته الصارخة للقوانين التي يفرضها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، إذ حاول التسلل دون المرور عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للإعلاميين.! فتم ترحيله بعد أن انكشف سلوكه غير المهني.. وكان قد نشر قبل ترحيله محتوى حاداً ضد تنظيم المغرب للبطولة، في محاولة للتشكيك في قدرته على الاستضافة، وهو ما يعكس حالة “الفوبيا الجماعية” التي تجعل كل نجاح مغربي مادة للهجوم.

الإعلام الجزائري حوَّل الإجراء القانوني العادي إلى قضية سياسية”، وكأن مجرد تنظيم المغرب للبطولة يهددهم. إنها صورة عملية لما قاله الفيلسوف رينيه جيرار: “العداء المستمر يولد رغبة في التقليد، لكنه يظل محكوماً بالخوف من التفوق. ” فالنظام الجزائري يقلد المغرب في الطموح، يرفع شعارات مشابهة، لكنه يخشى المقارنة التي تفصح الفارق بين واقعين مختلفين، فيتحول كل نجاح مغربي إلى عقدة إعلامية وسياسية تربك خطابها وتكشف هشاشته.

الفوبيا، في علم النفس هي خوف غير عقلاني من موضوع أو كيان بعينه. لكن حين تتحول هذه الحالة إلى سياسة دولة، فإنها تكشف عن عجز في مواجهة الذات قبل مواجهة الآخر. وقد وصفها فرويد بآلية “الإسقاط”، حيث تلقي الجماعة بمخاوفها الداخلية على الخارج لتتنصل من حقيقتها. أما سارتر فقد عبر عنها بقوله: ” الآخر هو مرآة الذات”؛ غير أن الذات، حين ترفض النظر في تلك المرآه، لا ترى فيها سوى تهديد دائم يطاردها. وهكذا يصبح الآخر، لا بما هو عليه، بل بما يُسقط عليه من هواجس، كابوساً جماعياً يفضح ضعف الداخل أكثر مما يعكس قوة الخارج.

وحذر ابن خلدون، في مقدمته من “العصبية المفرطة التي تؤدي إلى انهيار الدول، لأنها تغلق الأفق وتضعف الداخل”.. ولعل ما يعيشه الإعلام الجزائري اليوم هو تجسيد حي لهذه الآليات النفسية خوف من نجاح الآخر، إسقاط للإخفاقات الداخلية على الجار، وتغذية عصبية لا تنتج إلا عزلة وانغلاقا.

يمضي المغرب في طريق التنمية بخطى ثابتة غير آبه بالتشويش أو محاولات التقليل من إنجازاته؛ من مشاريع الطاقات المتجددة العملاقة، إلى الصناعة والتكنولوجيا، وصولا إلى الربط الكهربائي مع أوروبا، يراكم نجاحات متتالية جعلته يحظى باعتراف دولي متزايد. هذه النجاحات أثارت غيرة الجزائر، التي حاولت مرارًا أن تقلل من قيمتها، لكنها لم تستطع إنكارها أمام وضوح الحقائق. فـ “النجاح الاقتصادي كما قال ماكس فيبر – ليس مجرد أرقام بل هو انعكاس لروح عقلانية وتنظيمية.”، المغرب امتلك هذه الروح، بينما ظل النظام الجزائري أسير الشعارات والوعود التي لا تجد طريقها إلى الواقع، الى درجة أن الرئيس الجزائري، في مفارقة غريبة، اختزل صناعة السيارات المغربية، بكل ما تحمله من تطور وتكنولوجيا وشراكات عالمية، واصفا إياها بأنها لا تتجاوز نفخ العجلات

وفي ميدان الدبلوماسية، تتكرر المفارقة نفسها. سخرت الجزائر موارد ضخمة لدعم اطروحة الانفصال في الصحراء المغربية، التي هي أصل فوبيا المغرب”؛ لكنها فشلت في إقناع العالم، بينما نجحت الدبلوماسية المغربية في حصد اعترافات دولية واسعة بمغربية الصحراء، وتوسيع دائرة الدعم لموقفها المشروع. هذا الفشل على الفوبيا الجزائرية، وجعل كل تحرك مغربي يُقرأ هناك كتهديد وجودي، حتى لو كان في إطار التعاون الإفريقي أو الشراكات الاقتصادية.

التاريخ بين البلدين الجارين، ليس تاريخا عاديا؛ من حرب الرمال في الستينيات، إلى إغلاق الحدود في التسعينيات، إلى تعثر مشروع الاتحاد المغاربي، ظلت العلاقة رهينة حسابات سياسية ضيقة، تدار بعقلية الخوف والارتياب. وفي الوقت الذي يمد فيه المغرب يده لإحياء الاتحاد المغاربي، ويؤكد على المشترك الكبير بين الشعبين يصر النظام الجزائري على الانغلاق، وكان الفوبيا تحكم السياسة وتمنعها من رؤية المستقبل؛ وهكذا تضيع فرص التقارب، وتهدر إمكانات بناء فضاء مغاربي موحد كان يمكن أن يكون قوة إقليمية حقيقية لولا أن الخوف من المغرب تحوّل إلى سياسة رسمية في الجزائر.

في مقابل هذا الانغلاق، يظل الموقف المغربي ثابتا وواضحا الملك محمد السادس من اليد أكثر من مرة، داعيا إلى تجاوز الخلافات، وإعلاء المشترك الكبير بين الشعبين الدين اللغة، التاريخ، الدم، والتطلعات. يذكر في كل مرة بأن الحدود السياسية لا يمكن أن تمحو روابط الأخوة.. أخوة الشعبين المغربي والجزائري أكبر من هذه الفوبيا وتؤكد أنها أقوى من الإعلام المتأزم وأن المستقبل لا يُبنى على العداء المرضي، بل على التعاون والتكامل.. “الحرية الحقيقية – كما قال سبينوزا – هي التحرر من الخوف.” المغرب يمضي في طريق الحرية والتنمية، بينما يظل النظام الجزائري أسير خوف وفوبيا لا ينتهيان.

” الآخر – كما يقول هيجل- شرط للوعي بالذات”؛ لكن حين يتحول الآخر إلى عدو دائم، فإن الذات تفقد قدرتها على النمو. والخوف من التفوق – حسب نيتشه يولد العداء”، وهذا ما نراه في كل رد فعل حكام الجزائر تجاه كل نجاح مغربي. و” الآخر – كما أوضح إدوارد سعيد يُصنع في الخطاب”، والإعلام الجزائري صنع من المغرب “آخرا مخيفا”، بدل أن يراه شريكا طبيعيا في الجغرافيا والتاريخ.

المغرب مستمر في نهجه التنموي والدبلوماسي غير ملتفت لهذه الحملات، بينما الشعب الجزائري بدأ يكتشف زيف الدعاية الرسمية، ويقارن بين الواقعين. هذه المقارنة قد تكون بداية وعي جديد، يطالب بالتغيير، ويعيد الاعتبار للمشترك الكبير بين الشعبين وبين البلدين.

إن استمرار هذه الفوبيا لا يعني سوى خسارة مضاعفة للشعبين معا، بينما سيشكل تجاوزها مكسبا حضاريا وإنسانيًا يليق بتاريخ المغرب والجزائر ومكانتهما في العالم. غير أن المسؤولين في الجزائر، بانغماسهم في هذا الهوس المرضي، يضيعون فرصا ثمينة للتفاهم والتقارب، ويهدرون إمكانات بناء مستقبل مشترك قائم على التعاون. هذه الفوبيا ليست قدرا محتوما، بل مرضا قابلا للعلاج إذا ما تحررت العقول من أوهامها واستجابت لنداء العقل والتاريخ اليد المغربية الممدودة ما تزال تنتظر، والشعوب تتوق إلى لقاء بلا حدود، لكن الإعلام غير المدرك لهذه الحقائق والسياسات المتصلبة، يطلان شاهدين على لحظة فقدان الصواب، حين يُحوّل النجاح المغربي إلى كابوس لدى الآخر، بدل أن يكون جسرا للتقارب والتلاقي.

في العالم، كثير من الدول جعلت الرياضة جسرا للتقارب اليابان وكوريا الجنوبية نظمتا كأس العالم 2002 معًا رغم تاريخ طويل من التوتر أوروبا جعلت من البطولات الرياضية قضاة للوحدة. لكن الجزائر اختارت أن تجعل الرياضة ساحة للعداء، وأن تحول كأس إفريقيا إلى معركة وهمية هذا الاختيار يعكس عمق الفوبيا، ويكشف أن الأزمة ليست في الرياضة، بل في العقل السياسي والإعلامي الذي يصر على تحويل كل شيء إلى مواجهة. فرنسا وألمانيا تجاوزتا حروبا دامية لتبنيا الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية تجاوزت خلافاتها الحدودية عبر منظمات إقليمية. وإفريقيا نفسها شهدت دولا تجاوزت صراعات دامية لتبني تعاونا اقتصاديا؛ هذه التجارب تؤكد أن تجاوز الفوبيا ليس مستحيلاً، بل هو خيار سياسي وإرادة جماعية.

إقرأ الخبر من مصدره