نبيل نبيه
لم يعد ما يحققه المنتخب المغربي في السنوات الأخيرة محل نقاش أو مجاملة. أرقام واضحة، ومسار تصاعدي ثابت، جعل من الكرة المغربية مرجعًا عربيًا وإفريقيًا بشهادة المتابعين والمحللين. من بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022 كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، إلى التتويج بكأس العرب في الدوحة، وصولًا إلى تصنيفات دولية متقدمة تضع المغرب في صدارة القارة الإفريقية.
لم يعد النجاح وليد لحظة، بل ثمرة تخطيط وبناء طويل المدى. هذا التقدم جعل من المغرب مدرسة كروية في كيفية إعداد اللاعب، وإدارة المشروع، وتحقيق الاستمرارية، لا مجرد منتخب يلمع ثم يخبو.
لكن حين نصبح مرجعًا كرويًا، فإن المسؤولية تتجاوز رقعة الملعب.
*المشجع الزائر سفيرنا ببلده*
المشجع الذي يسافر لمتابعة منتخب بلاده لا يقطع المسافات من أجل تسعين دقيقة فقط، بل من أجل تجربة متكاملة تبدأ قبل صافرة البداية بوقت طويل، ولا تنتهي إلا بعد العودة إلى الوطن. هذه التجربة تشمل كل ما يعيشه الزائر: من لحظة حجز التذكرة، إلى ركوب الطائرة، إلى الاستقبال، والتنقل، واستخدام المرافق العامة، والاحتكاك اليومي بالمجتمع.
وهنا تحديدًا يصبح التنظيم جزءًا من صورة المنتخب، لا عنصرًا منفصلًا عنه.
*قطر نموذج يدرس*
إذا كنا اليوم نُدرَّس كرويًا، فعلينا أن نتحلى بالتواضع الكافي للاستفادة من تجارب غيرنا تنظيميًا. ودولة قطر قدّمت في السنوات الأخيرة نموذجًا لافتًا في احتضان التظاهرات الكبرى، من كأس آسيا إلى كأس العرب ثم كأس العالم 2022، حيث لم يكن النجاح محصورًا في الملاعب، بل امتد إلى الأمن، والنقل، والضيافة، والتعامل الإنساني مع الجماهير.
وحين يزورنا مشجعون من الدول العربية والإسلامية مستقبلًا، فإنهم سيقارنون، بشكل طبيعي، بين ما عاشوه هناك وما سيعيشونه هنا. هؤلاء الزوار لن يكونوا مجرد عابرين، بل سفراء ينقلون التجربة كاملة إلى أوطانهم، وقد يعودون بعشرات الآلاف إذا كانت الصورة إيجابية… أو يكتفون بالذكرى إن كانت مخيبة.
*من الطائرة تبدأ الصورة*
التجربة لا تبدأ عند بوابة الملعب، بل على متن الطائرة. الخطوط الجوية هي أول واجهة للبلد، وما يقدَّم فيها من معاملة، وراحة، ومحتوى، وغذاء، واحترام للخصوصية الثقافية، يترك أثرًا لا يُمحى. تقديم وجبات راقية، مقاعد مريحة في الرحلات الطويلة، أطقم مدرَّبة على الحفاوة، وشاشات ترفيه تراعي حضور العائلات والأطفال، كلها تفاصيل تصنع الانطباع الأول.
وحين يصل الزائر، فإن حفاوة الاستقبال، وسلاسة الإجراءات، ونظافة المرافق، تكون امتدادًا طبيعيًا لهذه الصورة.
*التفاصيل التي لا تُغتفر*
الحمامات العامة، المقاهي، المساجد، وسائل النقل، وسيارات الأجرة، ليست تفاصيل هامشية في نظر الزائر، بل معايير يقيس بها احترام البلد لضيوفه. نظافة المرافق بتوفر الورق والصابون، ترتيب أماكن الوضوء، وضوح الأسعار، وحسن المعاملة… كلها عناصر تُسجَّل بدقة في ذاكرة المشجع.
المقاهي، تحديدًا، تتحول في التظاهرات الكبرى إلى فضاءات تلاقٍ بين ثقافات مختلفة، وعلى طاولاتها تُبنى الانطباعات. والمساجد، التي يقصدها زوار يؤدون صلواتهم خمس مرات يوميًا، يجب أن تكون في أبهى صورة من حيث النظافة والعناية والتهيئة.
*التنظيم… مسؤولية جماعية*
لا يمكن إنكار المجهودات الكبيرة التي تبذلها كل المؤسسات المغربية في مجالات متعددة. غير أن التظاهرات الكبرى تكشف أحيانًا زوايا لا تظهر في العمل اليومي، وعلى رأسها التجربة النفسية للمشجع والزائر. ومن هنا، فإن التعبير عن هذه الملاحظات لا يندرج في خانة اللوم، بل في إطار الحرص الوطني على إيصال الصوت إلى من بيدهم القرار، ونحن على يقين بأنهم يتقاسمون نفس الرغبة في التطوير والتحسين.
المنتخب المغربي بنجاحاته فتح الباب واسعًا أمام العالم ليأتي إلينا. وما نحتاجه اليوم هو أن يكون التنظيم في مستوى الطموح، وأن تكون تجربة الزائر امتدادًا طبيعيًا لما يقدمه اللاعبون فوق أرضية الملعب. فكما أثبتنا أننا قادرون على صناعة منتخب قوي، علينا أن نثبت أننا قادرون على صناعة تجربة إنسانية راقية تليق باسم المغرب.
لأن المرجعية لا تُقاس بالنتائج وحدها، بل بالصورة التي تظل عالقة في الذاكرة.
الدكتور نبيل نبيه
باحث وإعلامي مغربي