الكرة .. مرآة للتحول التنموي

Écrit par

dans


زهير الواسيني‎

بينما كنت أتابع إحدى مباريات كأس إفريقيا للأمم على شاشة التلفزيون الإيطالي، عبر قناة رياضية تنقل البطولة، استوقفني تعليق بدا عابرًا في شكله، لكنه عميق في دلالته. المعلّق، وهو يصف أجواء المباراة المقامة في ملعب مولاي عبد الله بالرباط، قال بنبرة إعجاب واضحة إن إيطاليا “تحلم بامتلاك ملاعب بهذا المستوى”، مضيفًا أن العثور على ملعب بهذه الجودة داخل إيطاليا نفسها لم يعد أمرًا سهلًا. لم يكن الحديث مجاملة إعلامية، بل مقارنة صريحة خرجت إيجابية بالكامل لصالح المغرب.

هذا النوع من المقارنات، حين يصدر من إعلام أوروبي ينتمي إلى فضاء كروي عريق، لا يمكن اعتباره تفصيلًا هامشيًا. فهو يعكس تحوّلًا في الوعي قبل أن يكون حكمًا تقنيًا على ملعب أو بنية تحتية. لسنوات طويلة، اعتادت النظرة الغربية أن ترى إفريقيا كفضاء نقص وعجز، لا كمرجع محتمل للمقارنة. غير أن ما تتيحه التجربة المغربية اليوم يفرض سردية مغايرة، قائمة على الوقائع لا على الانطباعات المسبقة.

تنظيم المباريات، جودة الملاعب، البنية التحتية المواكبة، وسلاسة التدبير، كلها عناصر تجعل من الحدث الرياضي واجهة لمسار أعمق. فالمغرب لا يقدّم نفسه فقط كبلد قادر على تنظيم بطولة قارية، بل كنموذج لدولة اختارت الاستثمار في الاستقرار، وفي الزمن الطويل للتنمية. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول كأس إفريقيا إلى موضوع نقاش في الإعلام الأوروبي من زاوية المقارنة، لا من زاوية الاستغراب.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

سياسيًا، يمكن قراءة هذا النجاح ضمن إطار “القوة الناعمة”، حيث تتحول الرياضة إلى أداة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول والقارات. المغرب، في هذا السياق، لا يخاطب الخارج فقط، بل يخاطب الداخل الإفريقي أيضًا، مؤكدًا أن التقدم ليس حكرًا على دول أو قارات دون غيرها، بل هو نتيجة لاختيارات واضحة ورؤية متماسكة تتجاوز الإكراهات الجغرافية.

في المقابل، تبرز محاولات متكررة من طرف دول إفريقية فاشلة للتشويش على هذه التجربة أو التقليل من أهميتها. هذا الخطاب النقدي لا يصدر دائمًا عن نقص في الموارد، بل غالبًا عن اختلاف في منطق إدارة الدولة. فبعض الأطراف، رغم توفرها على إمكانيات معتبرة، اختارت توجيه مواردها نحو رهانات أخرى، تقوم على منطق التوتر الدائم واستعراض القوة، بدل الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العمومية والتنمية البشرية.

وبدل مساءلة هذه الاختيارات، يتم توجيه النقد نحو من اختار مسار البناء الهادئ. الأمر لا يتعلق بالمغرب وحده. فثمة تحولات مشابهة، وإن اختلفت السياقات، تعرفها دول إفريقية أخرى مثل رواندا، أثيوبيا، بوتسوانا أو غانا حيث يجري تشييد نموذج دولة يضع التنمية والاستقرار في صلب المشروع السياسي.

هذه التحولات، التي تتم غالبًا بعيدًا عن الضجيج الإيديولوجي، تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الدولة في إفريقيا: هل تكون دولة تعبئة وصراع دائم، أم دولة بناء وتدبير عقلاني للموارد؟ من هنا، تبدو كرة القدم مجرد مدخل رمزي لفهم مسار أوسع. فالملاعب التي تُشاد، والطرق التي تُنجز، والمستشفيات التي تُبنى، كلها تعبيرات عن تصور محدد للدولة ولدورها في حياة المواطنين.

وما يثير حفيظة بعض المنتقدين ليس نجاح بطولة رياضية في حد ذاتها، بل ما تحمله من دلالات أعمق: أن إفريقيا لم تعد حبيسة نماذج إيديولوجية متقادمة، وأن جزءًا منها بدأ يختار طريقًا مختلفًا، يقوم على الإنجاز بدل الخطاب، وعلى الفعل بدل الشعارات.

بهذا المعنى، فإن ما يجري اليوم ليس صراع صور، بل تنافس نماذج. نموذج يرى في الدولة أداة لبناء المستقبل، ونموذج آخر ما يزال أسير منطق قديم أثبت محدوديته. والتحولات الجارية، مهما حاول البعض التشويش عليها، تشير بوضوح إلى أن بعض الدول الافريقية المعاصرة بدأت تعيد تعريف نفسها، لا كما يُراد لها أن تكون، بل كما تختار هي أن تصبح. والفاهم يفهم.

إقرأ الخبر من مصدره