دبلوماسية الحفر

Écrit par

dans


رشيد الكشرادي

لم يكن مصطلح «دبلوماسية الحفر» وليد تأملٍ نظريٍّ مجرد، بل تشكّل في ذهني لحظة معاينة واقعة دالّة، حين انصرفت البعثة جزائرية، في سياق بطولة كاس افريقيا للأمم بالمغرب، إلى البحث المادي والرمزي عن “حفرة” داخل أحد الملاعب، لا بغرض التقييم التقني أو تحسين شروط التنظيم، بل بهدف استخراج عنصر سلبي معزول وتضخيمه ضمن سردية إعلامية معدّة سلفًا. هذه الواقعة، في بساطتها الظاهرية، كشفت عن منطق أعمق يحكم سلوكًا دبلوماسيًا بات يتغذى على النقص بدل الإنجاز، وعلى الهدم بدل البناء.

إن ما شدّ الانتباه في هذه الحادثة ليس الفعل في حد ذاته، بل الدلالة السياسية التي يحملها. فحين تتحول الدبلوماسية من أداة لتمثيل المصالح الوطنية إلى ممارسة تفتيشية تبحث عن العيوب لدى الآخر، نكون أمام انزياح واضح في الوظيفة والمعنى. وقد رافق هذه الواقعة توجيه واضح للإعلام الجزائري الرسمي وغير الرسمي لتسليط الضوء على كل ما يمكن تأطيره كفشل أو تقصير، في تجاهل شبه تام للصورة الكلية، ولمجهودات تنظيمية وبنيوية راكمها المغرب عبر سنوات حيث يعكس هذا السلوك الإعلامي-الدبلوماسي تصورًا للصراع يقوم على تقويض صورة القوة الناعمة بدل بناء قوة ناعمة مضادة. ولأن الرياضة تُعد من أكثر مجالات القوة الناعمة قدرة على إنتاج الرموز وتعزيز المكانة الدولية، فقد تحولت إلى أحد أبرز ميادين هذا الاشتباك الرمزي.

وفي السياق نفسه، لم تتوقف بعض مظاهر «دبلوماسية الحفر» عند حدود الملاعب، بل امتدت إلى الفضاء العام، حيث بدا أن هناك من انصرف إلى تتبّع مشاهد هامشية، من قبيل مظاهر القمامة في الشوارع، بهدف نقل صورة انتقائية إلى مراكز القرار بالعالم الآخر، في سياق لا يبدو أن غايته توصيف الواقع في كليته، بقدر ما يسعى إلى إدراجه ضمن سردية مُسبقة الإعداد برزت بشكل واضح، حين وجد بعض المنتسبين إلى الصحافة الرياضية أنفسهم في موقع إعادة تلقين فئات من منتسبي الجمهور الى ما ينبغي تداوله بخصوص قضايا هامشية من قبيل ندرة التذاكر وغياب الشفافية في تدبيرها، وهو ما يكشف عن ارتباك في الخطاب وأزمة في القيم، حيث يغدو التأطير الموجَّه بديلاً عن التحليل، وتتحول الوظيفة الإعلامية من نقل الوقائع إلى إعادة إنتاج مشاهد هزلية تفتقر إلى الاتساق والمصداقية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

لا يمكن إنكار أن هذه الممارسات خلّفت شعورًا بخيبة الأمل لدى جزء من الرأي العام المغربي، لأنها تمس صورة بلد اختار الاستثمار بشكل استراتيجي في البنية التحتية، وتعزيز منظومة الحكامة الرياضية، وترسيخ حضوره القاري. غير أن صناع القرار يتعاملون معها، في المقابل، لا باعتبارها تهديدًا فعليًا، بل كدافع إضافي لمواصلة مسار التطور والتقدم. فقد كان التنافس على تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 قائمًا في مراحل سابقة، إلا أن الجزائر لم تمضِ في هذا السباق إلى مراحله المتقدمة، في ظل الفارق الواضح في الجاهزية والتنظيم. وهو مشهد مرشح للتكرار مستقبلًا، وربما بالمعطيات نفسها، مع استحقاقات قارية مقبلة، من بينها كأس أمم إفريقيا 2028.

إن ما يُصطلح عليه بـ«دبلوماسية الحفر» لا يعبّر عن موقف ظرفي أو رد فعل معزول، بقدر ما يعكس خيارًا بنيويًا تحكمه محددات جيوسياسية واضحة. أول هذه المحددات يتمثل في العجز عن مجاراة نموذج ناجح في توظيف أدوات القوة الناعمة، ما يجعل من التشكيك والمناورة الخطابية بديلاً عن التنافس الإيجابي. أما المحدد الثاني، فيرتبط بتوظيف المجال الخارجي كآلية لتدبير التوترات الداخلية، حيث يُستدعى الصراع الرمزي لتأجيل معالجة الاختلالات البنيوية وإعادة إنتاج شرعية مأزومة. في حين يتمثل المحدد الثالث في هيمنة المقاربة الأمنية-العسكرية على الفعل الدبلوماسي، وهو ما يحوّل العلاقات الدولية من فضاء للتفاعل الاستراتيجي إلى امتداد لمنطق الضبط والمراقبة والاشتباه، بما يحدّ من القدرة على بناء شراكات مستقرة ومؤثرة.

وفي هذا السياق، تكتسب مقولة ميشيل فوكو معناها الكامل: «السلطة التي لا تنتج خطابًا إيجابيًا، تكتفي بمراقبة ما ينتجه الآخرون». فبدل بلورة سردية جامعة أو الدفع بمشروع إقليمي ذي قدرة جاذبة، يتم الاكتفاء بتفكيك سرديات الغير والتنقيب في هوامشها، في مقاربة تنبني على تتبّع الحفر في أرض الغير، بل وعلى ممارسة فعل الحفر ذاته، بهدف تقويض مكتسبات دول أخرى والنيل من منجزاتها الرمزية والاستراتيجية. والمفارقة أن هذا النهج، الذي يُراد به إضعاف صورة المغرب، قد ينقلب على أصحابه؛ إذ إن دبلوماسية تُبنى على هدم ما راكمه الآخرون، بدل تشييد مشروع ذاتي واضح المعالم، تجد نفسها مع مرور الوقت غارقة في حفرة أعمق، حيث تتآكل المصداقية، ويغيب الأفق الاستراتيجي، ويتحوّل الفعل الخارجي إلى ردّ فعل دائم يفتقر إلى المبادرة والرؤية.

وعلى النقيض من هذا المنطق، تكشف ردود فعل الشعوب الإفريقية تجاه النجاحات المغربية في تنظيم كأس إفريقيا للأمم عن حقيقة وجودية وسياسية في آن واحد، مفادها أن النجاح، حين يكون أصيلًا ومتجذرًا، يصبح قابلًا للاستلهام لا للتشكيك. فقد بدا التفاعل الإيجابي والواسع مع التجربة المغربية تعبيرًا عن اعتراف شعبي بقيمة نموذج يقوم على العمل التراكمي، والاستثمار في الإنسان، وتحويل الرياضة إلى لغة مشتركة تتجاوز الاصطفافات الظرفية والخطابات الرسمية. كما شكّل مشهد البعثات الإفريقية المسلمة وهي تؤدي صلاة الجمعة في المساجد المغربية لحظة دالة، عكست بعدًا حضاريًا وإنسانيًا في أبهى صوره، حيث امتزج التنظيم الرياضي بالعمق الثقافي والروحي، مؤكدًا أن الحضور المغربي في القارة لا يُختزل في النتائج، بل يتجلى في القدرة على بناء جسور رمزية تتجاوز حدود المنافسة.

هنا تستعيد مقولة الملك الراحل الحسن الثاني معناها العميق حين أكد أن «المغرب شجرة جذورها في إفريقيا، وأغصانها في أوروبا»، في إشارة إلى أن الحضور المغربي في القارة ليس طارئًا أو ظرفيًا، بل امتداد تاريخي واستراتيجي متجذر في التجارب الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية للمملكة. وهو ما يفسر الصدى الإيجابي الواسع الذي لاقته التجربة المغربية لدى الشعوب الإفريقية، التي رأت فيها نموذجًا متينًا يمكن الاقتداء به وتكييفه وفق خصوصياتها، لا مجرد استثناء معزول أو لحظة ظرفية، مؤكدًا قدرة المغرب على الجمع بين الجذور التاريخية والرؤية المستقبلية في بناء شراكات مستدامة على المستوى القاري.

لقد مثّلت النجاحات المغربية في “الكان” لحظة فرح جماعي إفريقي، لأنها قدّمت برهانًا عمليًا على أن التنظيم الجيد، والاستقرار، والرؤية، ليست امتيازات جغرافية، بل خيارات سياسية وأخلاقية. وبهذا المعنى، تغدو الرياضة فضاءً فلسفيًا لاختبار نماذج الحكم والرؤية للمستقبل. وبين من يرى في نجاح الآخر فرصة للتعلّم والتكامل، ومن لا يرى فيه سوى تهديد يستوجب التشويه، يتحدد موقع الفاعلين في التاريخ. وفي زمن باتت فيه القوة تُقاس بالقدرة على الإلهام لا على الإرباك، يبدو أن من اختار الحفر قد أخطأ اتجاه السير، بينما من اختار البناء وجد نفسه محاطًا بامتداد إفريقي يرى في التجربة المغربية إمكانية قابلة للاقتداء، لا استثناءً عابرًا.

المفارقة المضحكة المبكية تكمن في أن الحفرة نفسها، التي حاولت البعثة الجزائرية توظيفها كأداة رخيصة لتقويض صورة المغرب، تتحوّل في الواقع إلى واحدة من آليات الابتكار العديدة المعتمدة في الملاعب المغربية. ففي كل مباراة، تُظهر الملاعب قدرة استثنائية على الصمود أمام الظروف المناخية الصعبة، بما يعكس براعة التخطيط والتنفيذ، ما يجعل جميع صحف العالم تشيد بجودتها ومتانتها، وطبعًا مع استثناء صحف “العالم الآخر” التي تظل عاجزة عن تجاوز الحسد أو التشكيك، وهو ما يجعلها تستحق بجدارة لقب “العالم الآخر”

-أستاذ باحث في تدبير الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي – جامعة القاضي عياض، مراكش

إقرأ الخبر من مصدره