تضامن انتقائي وأجندات مكشوفة.. وجوه مألوفة تحتج في الرباط دفاعاً عن مادورو المرفوض شعبياً

Écrit par

dans

الخط : A- A+

كشفت الوقفة التي نُظّمت اليوم الإثنين 5 يناير 2026 أمام مقر البرلمان بالرباط، من طرف ما يُسمّى بـ“الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب”، عن محدودية هذا الحراك ورمزيته، سواء من حيث عدد المشاركين أو من حيث الرسائل التي حملها. فقد شارك في هذه الوقفة حوالي 25 شخصاً فقط، اختاروا التمركز أمام المؤسسة التشريعية المغربية بدل التوجه إلى السفارة الأمريكية، وكأن مجلس النواب أو البرلمانيين المغاربة معنيين باختطاف مادورو، وهم يرفعون شعارات تطالب بـ“تحرير” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

غير أن ما يثير الانتباه في هذا التحرك، هو التناقض الصارخ بين الشعار المرفوع والمتعلق بـ“التضامن مع الشعوب”، وبين مضمون الوقفة نفسها، التي لم تكن تضامناً مع الشعب الفنزويلي الغائب عن أي احتجاجات مماثلة داخل بلده، بقدر ما كانت اصطفافاً سياسياً واضحاً إلى جانب النظام الفنزويلي ورئيسه، وهو ما يجعل هذا “التضامن” موجهاً عملياً للدفاع عن نظام سياسي، لا عن شعب يعاني من أزمات خانقة ورفض واسع لسياسات الحكم القائم.

وتكشف هذه الوقفة، بما حملته من شعارات ومطالب، عن حقيقة خطاب سياسي انتقائي يتخفّى خلف عناوين “التضامن” و“مناهضة الإمبريالية”، بينما يؤدي في الواقع دور واجهة لخدمة أجندات خارجية معروفة الاتجاه والولاءات. فهذه التحركات لا تظهر إلا حين يتعلق الأمر بحلفاء من يمولون ويدعمون هذه الوجوه نفسها، وتختفي تماماً عندما يُستهدف المغرب في وحدته الترابية أو تُمس سيادته من طرف دول أو منظمات أجنبية.

لنكن واضحين بلا تلطيف لغوي ولا أقنعة نضالية زائفة، ما يُسمّى بـ“الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب” لا تمارس تضامناً حقيقياً، بل تؤدي دور واجهة سياسية ضمن شبكة معروفة من التنظيمات والوجوه التي تتحرك وفق أجندات خارجية، وتختفي كلما تعلق الأمر بالمغرب، وتظهر فجأة حين يكون المطلوب هو الدفاع عن أولياء نعمتهم ومموليهم.

فهذه الوقفة ليست عملاً إنسانياً ولا موقفاً مبدئياً، بل اصطفاف سياسي فاضح إلى جانب أنظمة معادية للمغرب أو داعمة لخصومه، في مقدمتهم الجزائر والبوليساريو، ومن يدور في فلكهما إقليمياً ودولياً. هؤلاء لا يرون في “السيادة” مبدأً إلا حين تخدم خياراتهم الإيديولوجية، أما سيادة المغرب فليست ضمن قاموسهم.

هؤلاء أنفسهم لم نسمع لهم همساً حين تعرضت أو تتعرض الوحدة الترابية للمملكة لهجمات إعلامية وحقوقية منظمة، أو حين شنت قنوات ومواقع إعلامية معروفة هجوماً على سيادة المغرب، ولم نرَ لهم وقفة واحدة ضد المنظمات الأجنبية التي تروج أطروحة الانفصال، بل على العكس، وجد بعضهم في تلك الحملات فرصة لركوب الموجة وتغذية الخطاب العدائي ضد بلده باسم “حقوق الإنسان” و“حرية التعبير”.

فلنقلها بوضوح، نحن لا نتحدث عن مناضلين، بل عن أبواق سياسية، وعن طابور أيديولوجي يعيش على استيراد الصراعات الخارجية، ويبحث عن موطئ قدم داخل المغرب لتصفية حسابات لا علاقة لها لا بالشعب المغربي ولا بمصالحه. هم لا يدافعون عن الشعوب، بل عن أنظمة، ولا يعادون الإمبريالية، بل يعادون المغرب حين لا ينسجم مع خياراتهم.

ولعل الأكثر غرابة، هو أن تُنظم وقفات في الرباط دفاعاً عن نظام يواجه رفضاً واسعاً داخل بلده، في وقت يعاني فيه الشعب الفنزويلي من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، ومن تضييق واعتقالات في صفوف معارضي النظام الحاكم، بينما يُطلب من المغاربة تصديق أن دموع “المتضامنين” نابعة من إنسانية خالصة، لا من ولاءات إيديولوجية عفا عنها الزمن.

هذه الوقفة تجعلنا أيضاً نطرح سؤالاً صريحاً: من يحمي هؤلاء؟ ومن له المصلحة في وجودهم وتحركاتهم هاته؟ الفاهم يفهم، لأن الحقيقة واضحة وبعيدة عن أي لبس. من غير المنطقي أن يخرج أحد يتباكى ويتضامن مع مادورو، وهو لا يعرف حتى أين تقع فنزويلا على الخريطة، بل والأدهى أن غالبية الشعب الفنزويلي نفسه يرفضه ولا يسانده.

المغاربة اليوم “عاقوا” بهذه الوجوه، ويعرفون أسماءها ومساراتها، ويعرفون لماذا تتكرر نفس الوجوه في كل وقفة، ولماذا لم يعد الشارع يتفاعل معها. لأن القناع سقط، وانتهت صلاحية خطاب قديم لم يعد يقنع أحداً.

الخلاصة أبسط مما يحاولون تعقيدها. من لا يدافع عن المغرب عندما يُستهدف، لا يحق له الادعاء بالدفاع عن أي شعب آخر، ومن يجعل من الرباط منصة لخدمة أجندات معادية للوحدة الترابية، فهو لا يمارس حقاً سياسياً، بل يقف عملياً في الضفة الخطأ من التاريخ. والرسالة فهمها المغاربة، أما شطحات هذه القلة القليلة فليست سوى ضجيج مأجور، لا أثر له على بلد قوي بقيادته ومؤسساته وتماسك شعبه.

إقرأ الخبر من مصدره