
سعيد بوخليط
ما الذي يحدث للحالم حين تأمُّله وحيدًا لهيب شعلة؟ كيف يعيش تلك اللحظة الوجودية المتميِّزة إنسانيًّا؟ فالشُّعلة تستدعي التأمّل الشارد من بين كل أشياء العالم، وتعدُّ بالتالي إلهامًا للصور، أو تحديدًا أكبر مُتعهِّد لها حسب توصيف غاستون باشلار، مادامت تحفِّزنا في المقام الأول على التَّحليق بخيالنا، ويَفْقِد العالم المرئي وضعَه لصالح مجازات الصور المتأمِّلة.
لذلك، وبهدف الوصول إلى هذا الزَّخم الحُلُمي، أبان باشلار منذ البداية عن رغبته كي يقارب موضوع الشُّعلة دون التقيُّد بمرجعية محدَّدة أو إطار مرجعي معين. مثلما تحاشى إغواء تحويل حديثه عن الشُّعلة إلى كتاب معرفي.
مقابل انقياد الفيلسوف خلف عموميات كُلِّيّة، ينبغي تحريض خيال الشُّعلة حسب أفق تعدُّد الصور التي تحوِّل المجازات الفاترة إلى صور، وتمثِّل بداية حياة أولى للخيال، ومغادرة العالم الواقعي وجهةَ آخَر متخيَّل وفق صيغته المطلقة، أي التأمُّل الشارد الشعري. عندئذ، وفي خضمِّ سعادة الحالم بتأمُّله الشَّارد، يمسك من جهة بحقيقة الوجود وكذا المصير الإنساني.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
يصير كل حالم أمام الشُّعلة، حتماً، شاعرًا وقد وجد نفسه أمام تأمُّل شارد أوّلي، مذهل، يجد امتداداته بين طيَّات ماضٍ سحيق، فيجعله حسب باشلار انجذابًا فطريًّا ومتأصِّلاً داخل نفسية الحالم: “تدعوني الشُّعلة كي أرى للمرَّة الأولى مكمن آلاف الذِّكريات، وأحلم من خلالها بمجمل شخصية ذاكرة شائخة جدًّا، مع ذلك أحلم بها مثل الجميع، وأتذكَّرها مثلما يتذكَّر الجميع. بالتالي يعيش الحالم تبعًا لإحدى قوانين التأمُّل الشَّارد الأكثر ثباتًا إزاء الشُّعلة، عند ماضٍ ليس فقط ماضيه، بل ماضي أولى نيران العالم”.
يحلم الحالم أمام شعلة تقاوم قصد الإبقاء على وجودها، بينما يحاول الانسلاخ، أو فعلاً حقَّق ذلك، عن عالم وكذا وجوده الذاتي كي يحلم بالعالم على نحو مفرط لغاية، وقد أضحت الشُّعلة تجسيدًا للعالم برمَّته لدى هذا الحالم الجالس وحيدًا: “يتمدَّد الحالم بالعالم، ومصير العالم، حين تأمُّله في مصير العالم، بتأمُّله مصير الشُّعلة، فإنَّه ينمو أيضًا باللغة مادام هناك تعبير عن جمال العالم”.
تحظى النفسية الإنسانية من خلال النُّزوع الكلِّي نحو الجمال، بغذاء وطعام عمودين، قوامهما مادَّة هوائية معاكسة تمامًا للأغذية الأرضية، فيتمثَّل الفرد جيِّدًا موعظة ونصيحة قيمية وأخلاقية تضمرها مختلف الشُّعل بالالتهاب والاحتراق عاليًا، غاية تجلِّي اليقين لدى صاحبها بأنَّه يمنح النور. لكن، هذا الأفق المفضي نحو بلوغ السموّ النَّفسي، يتطلَّب ويستدعي تضخيم انطباعاتنا وإثراءها بالمادَّة الشعرية.
بهدف تحقيق التَّماهي مع هذا المستوى التَّأويلي، طرح غاستون باشلار أولويات مبدئية يودُّ الانطلاق منها:
تبنَّى “قصيدة اللَّهب” عنوانًا فرعيًّا لدراسته المونوغرافية حول الشُّعلة، في إطار سعي إرادته إلى تعقُّب آثار التأمُّلات الشاردة.
بلوغ جمالية حسيَّة من خلال تجسيد كينونة مختلف صور شعلة لهيب، وليس حصيلة لسجالات فلسفية أو مجرَّد عقلنة أفكار عامة، ثم القطع مع البساطة التي نظرت بها الصور الأدبية إلى موضوع الشُّعلة.
العثور على الحقيقة بواسطة الكلام، ورسمها بالكلام، عبر الإثارة الرائعة التي يتلقَّاها الخيال من الشُّعل.
أن نحيا الصور الأدبية بإعطائها مجمل راهنيَّتها.
يظلُّ الحالم مستيقظًا بجوار لهيب شمعة، بينما يغفو أمام النَّار. ندرك بفعل الجانب الشعري لتأمُّل النَّار “النَّفسية الذهنية” حسب باشلار، حيث يبقى الوعي يقظًا ومنتبهًا للَّوحات التي تتشكَّل حول الشَّمعة.
ميَّز باشلار دائمًا بين التأمُّل الشَّارد والحلم اللَّيلي، الأوَّل أكثر صدقًا وشفافية وتمرينًا للخيال على إبداع جديد يؤسِّس للشعر، بينما ينتج الثَّاني بسهولة أدبًا، أو بمعنى ثانٍ أدبًا سهلاً، مادامت إضاءة اللَّيل العجيبة تبقى إضاءة خاطئة: “يجد كل الأدب الخرافي مع الحلم اللَّيلي خُطاطات يشتغل عليها أنيموس الكاتب، ثم يعتمد المحلِّل النَّفسي على هذا الأنيموس كي يدرس صور الحلم. بالنِّسبة إليه، الصورة ثنائية، تدلُّ باستمرار على شيء آخَر، إنَّه تعبير كاريكاتوري نفسي. يلزم بذل مجهود قصد العثور على الكائن الحقيقيِّ خلف الكاريكاتور. السَّعي، التَّفكير، ثم التَّفكير دون توقُّف”.
ما جدوى القصيدة، من خلال حشد عدَّة تأمُّلات شاردة على ضوء لهيب شمعة، قياسًا لعالم يسير سريعًا والعصر يتعجَّل؟ يجيب باشلار بأنَّ التأمُّلات الشَّاردة عادات نفسية حقيقية متأصِّلة ومألوفة، تستقلُّ بإيقاعها الخاص عن إيقاع سرعة أفعالنا.
تحافظ التأمُّلات الشَّاردة حول ضوء خافت صغير، على وظيفة إثراء كل مقاربة نفسية للاوعي عبر جهاز كامل من الصور، تتيح إمكانية محاورة الكائن الحالم على نحو هادئ وطبيعي، تشعره بأنَّه داخل بيته ولاوعيه موطنه: “اللاوعي المطمئن دون كابوس، المتوازن مع تأمُّله الشَّارد، يعكس بشكل دقيق جدًّا ضوء/عتمة النَّفسية، أو بشكل أفضل، نفسية ضوء/عتمة. تعلِّمنا صور ضوء صغير كي نعشق هذا الضَّوء/العتمة برؤية حميمة. الحالم الذي يريد اكتشاف ذاته باعتباره كائنًا حالماً بعيدًا عن تجلِّيَات الفكر، يتوخَّى حالم من هذا القبيل، بمجرَّد عشقه تأمُّله الشَّارد، صياغة جمالية هذا الضوء/العتمة النَّفسي”.
تمثِّل الشُّعلة المنعزلة شهادة عن أواصر عزلة، نُسِجَت خيوطها بين الشُّعلة والحالم والحلم. صارت عزلة الحالم ملموسة انتشلت كنهها من الفراغ. بهذا الخصوص أشار باشلار إلى قراءاته الكثيرة لنصوص الشاعر نوفاليس الذي ألهمه دروسًا حول عمودية الشُّعلة.
وحدها الشُّعلة المنزوية، تجسِّد للحالم المتأمِّل مرشدًا للتَّعالي ونموذجًا للمنحى العمودي.