
عبد الرحمان بوخفة
لنفترض جدلا أن القانون الدولي محايد، وأن قواعده واحدة على الجميع، وأن “الشرعية” ليست امتدادا للقوة بل قيدا عليها. افتراض رومانسي جميل… لكنه لا يصمد طويلا أمام أول اختبار واقعي: حين تتعارض مصالح القوى الكبرى مع نصّ قانوني أو قرار أممي، تتحول الشرعية إلى مادة انتقائية؛ تستحضر حين تخدم، وتهمل حين تزعج. أما الدول الأضعف، فتُطالَب بالانضباط الحرفي، وتلام أخلاقيا إن حاولت قراءة النصوص ضمن سياقها التاريخي والسياسي.
لكن المثير أن هذا الخلل لا يظهر فقط في سلوك الدول، بل أيضا في ردود أفعالنا نحن. كلما وقع حدث دولي صاخب، كاعتقال عابر للحدود، تسليم مطلوب، قرار أممي مثير للجدل، أو تدخل عسكري، نرى النقاش الشعبي ينقلب بسرعة إلى محاكمة أخلاقية: فريق يصرخ “القانون فوق الجميع”، وفريق يرد “هذا عدوان وظلم”. ثم نتبادل التهم بدل أن نطرح سؤالا أبسط وأعمق: أي قانون؟ كيف تشكّل؟ ومن يملك سلطة تفسيره وتطبيقه؟
ليس عيبا أن يغضب الناس؛ الغضب مفهوم. العيب أن يتحول الغضب إلى طقسٍ أخلاقي يوزع البراءة والإدانة، بينما تدفن الأسئلة التي تشرح كيف يعمل العالم فعلا.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
هنا يبدأ سوء الفهم في نقاشاتنا: بعضنا يتعامل مع القانون الدولي بوصفه “دينا مدنيا” لا يجوز المساس به. مجرد التساؤل عن جذوره أو تناقضاته يستقبل كأنه خروج عن “الشرعية”. ومن ثم يتحول الخلاف السياسي إلى اختبار طاعة: من يعترض فهو ضد القانون، ومن يناقش فهو يبرر الفوضى. والنتيجة؟ بدل أن نفهم آليات النظام الدولي، ننشغل بتوزيع شهادات حسن السلوك، ونقرأ السياسة بلغة “الفضيلة” لا بلغة المصالح والبنى والتاريخ.
وهنا بالذات يبرز سؤال حاسم: لماذا لا يمكن فصل القانون الدولي عن تاريخه؟
القانون الدولي الحديث لم ينشأ في فراغ. لقد تبلور داخل سياق أوروبي توسعي، وتثبّتت مفاهيمه الكبرى في لحظة إمبريالية كانت بحاجة إلى لغة تنظم السيطرة وتشرعنها. لذلك ليس غريبا أن تحمل هذه المنظومة أثر ذلك التاريخ في مفاهيمها الأساسية: السيادة، الدولة، الإقليم، الاعتراف، التمثيل… كلها صيغت ضمن تجربة أوروبية محددة ثم قُدّمت للعالم كمعيار كوني.
هذا ليس “اتهاما أخلاقيا” للقانون، بل توصيف تاريخي. ما يقوله تيار دراسات العالم الثالث والقانون الدولي (TWAIL)، وما يشرحه باحثون مثل Antonie Anghie وغيرهم، هو أن العلاقة بين القانون الدولي والكولونيالية ليست حادثا عرضيا، بل علاقة تأسيس: القانون لم يكن فقط شاهدا على الاستعمار، بل شارك في هندسة منطقه، ثم ورث العالم هذه الهندسة حتى بعد نهاية الاستعمار الرسمي.
بل إن مفهوم السيادة الأوروبي استعمل، تاريخيا، كذريعة قانونية لاحتلال أراض لا تخضع لهذا النمط من السيادة، عبر تسميتها “أرضا خلاء” (terra nullius): أي أرضاً بلا سيادة “معترف بها” وفق معيار المركز.
جوهر المعضلة، إذن، يظهر بوضوح في مفهوم واحد: السيادة.
في النموذج الأوروبي الحديث تفهم السيادة غالبا بوصفها سيادة إقليمية مركزية: دولة بحدود خطّية واضحة، وسلطة موحدة، ومؤسسات معيارية، واحتكار للقرار والقوة داخل الإقليم. هذا النموذج ليس “المنطق” نفسه، بل تاريخ أوروبي جرى تعميمه.
المشكلة ليست في وجود هذا النموذج، بل في تحويله إلى المعيار الوحيد للحكم على تجارب سياسية أخرى. وحين يحدث ذلك يصبح اختلاف التجربة التاريخية “نقصا قانونيا”، ويغدو هذا “النقص” سببا لتجميد الحقوق أو تعليق الحلول. هنا تعاد إنتاج الأزمات لا لأن الوقائع غامضة، بل لأن المعيار لا يرى إلا ما يشبهه.
في ملف الصحراء المغربية، تتجلّى هذه الإشكالية بأوضح صورها في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975. لم تنكر المحكمة وجود روابط البيعة والولاء، بل تعاملت معها بوصفها روابط ذات دلالة قانونية مع السلطان. هذا اعتراف بوجود بنية شرعية علائقية كانت تحكم العلاقة بين المركز والقبائل.
لكن المفارقة أن الاعتراف بالروابط لم يتحول إلى اعتراف بسيادة إقليمية بالمعنى الذي يفضله النموذج المهيمن. كأن القانون يقول: “نعم، هناك روابط… لكنها لا تنتج النتيجة التي تريدونها”. وهنا لا تكون المشكلة في الوقائع وحدها، بل في لغة الوقائع ومعاييرها: أي نوع من الروابط يُحتسب سيادة؟ وأي نوع يُسجّل فقط كملحق تاريخي بلا أثر حاسم؟
البيعة في التاريخ السياسي المغربي ليست مجاملة رمزية ولا طقسا فولكلوريا؛ إنها علاقة شرعية وسلطة واندراج سياسي وديني واجتماعي: سيادة علائقية تُبنى على الاعتراف والطاعة والحماية، وتعمل عبر وسائط محلية لا عبر بيروقراطية حديثة موحدة. فإذا قِيس هذا كله بمسطرة “السيادة الإقليمية المركزية” أمكن الاعتراف به جزئيا، لكن يُستبعد من إنتاج نتيجة نهائية. وهنا يتضح أن الخلل ليس فقط في أن القانون يخرق، بل أيضا في أن القانون يعرّف—وأحياناً يُعرّف بطريقة تقصي تجارب كاملة لأنها لا تتطابق مع النموذج المهيمن.
لهذا، لا يكفي أن نكرر شعار “احترام القانون الدولي”. احترامه مهم، لكن الأهم أن نفهمه: كيف وُلد؟ كيف يعمل؟ ولماذا يُطبّق هنا بدقة ويُهمَل هناك بلا حرج؟
الموقف العقلاني ليس تقديس القانون ولا إنكاره، بل التعامل معه كأداة داخل حقل صراع: نفضح انتقائيته حين تُستخدم ضدنا، نفهم جذوره حين تُقدَّم لنا كقدر أخلاقي، ونستخدم آلياته حين تخدم قضايانا دون أوهام خلاصية. والأهم: أن نعيد بناء خطابنا حول الصحراء على أساس تفكيك مفهوم السيادة المهيمن، وتقديم السيادة المغربية التاريخية بوصفها سيادة لها منطقها، لا مجرد “استثناء” يحتاج إذنا من معيار أوروبي.
في النهاية، القضية ليست فقط: من يملك الأرض؟ بل أيضا: من يملك حق تعريف السيادة؟ ومن يملك حق تعريف القانون نفسه؟ ومن يدفع ثمن هذا التعريف حين يُفرض كحقيقة وحيدة.