الأمم المتحدة تراهن على التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب

Écrit par

dans

كشفت المعطيات، ان تعيين عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، ميسّراً مشاركاً في المراجعة التاسعة للاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب، يمثل محطة دالة في مسار الاعتراف الدولي المتزايد بدور المغرب الريادي في هذا المجال. فالخطوة التي أعلنت عنها أنالينا بيربوك، الرئيسة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، لا تحمل بعداً إجرائياً فحسب، بل تختزن رسائل سياسية واستراتيجية تعكس حجم الثقة التي باتت تحظى بها التجربة المغربية داخل المنتظم الدولي.

وتأتي هذه المراجعة في سياق رمزي بالغ الدلالة، إذ تتزامن مع مرور عشرين سنة على اعتماد الاستراتيجية الأممية سنة 2006، بوصفها الإطار العالمي المرجعي لتنسيق الجهود الوطنية والإقليمية والدولية في مواجهة الإرهاب. ومنذ ذلك التاريخ، اعتادت الجمعية العامة مراجعة الوثيقة كل عامين، بمشاركة جميع الدول الأعضاء، مع تكليف ميسّرين لتوجيه المشاورات بين الحكومات وصياغة مخرجات توافقية تعكس تطور التهديدات الإرهابية وأساليب مكافحتها.

اختيار ممثل المغرب لهذا الدور لا يمكن فصله عن الموقع الذي راكمته المملكة في هندسة الأمن الدولي، ولا عن الرصيد العملي الذي راكمته أجهزتها في مجال الوقاية الاستباقية وتفكيك الخلايا المتطرفة. فقد بات المغرب، خلال العقدين الأخيرين، نموذجاً يُستشهد به في الجمع بين الصرامة الأمنية والبعد الوقائي، عبر مقاربة متعددة الأبعاد تمزج بين العمل الاستخباراتي الدقيق، والتأطير الديني، وبرامج إعادة الإدماج، ومعالجة جذور الهشاشة الاجتماعية.

ويرى باحثون في الشؤون الاستراتيجية أن هذا التعيين يعكس اقتناعاً أممياً بأن التجربة المغربية لم تعد شأناً وطنياً محضاً، بل تحولت إلى قيمة مضافة عالمية. فالمغرب عضو نشط في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، واستضاف مؤتمرات وملتقيات دولية حول الظاهرة، وأسهم في بلورة مقاربات جديدة تقوم على التعاون وتبادل المعلومات بدل الانغلاق الأمني. كما أن الأجهزة المغربية نجحت في إحباط عدد كبير من المخططات الإرهابية، ليس فقط داخل التراب الوطني، بل أيضاً خارج حدوده، عبر معلومات دقيقة مكّنت دولاً شريكة من تفادي هجمات كانت وشيكة.

هذا الرصيد جعل من المغرب فاعلاً موثوقاً في زمن تتسم فيه التهديدات الإرهابية بالتحول المستمر، سواء من حيث البنية التنظيمية أو الوسائل التكنولوجية أو أنماط التجنيد. ومن هنا، فإن إدماج هذه الخبرة في مراجعة الاستراتيجية الأممية يتيح نقل الدروس العملية إلى مستوى السياسات الدولية، بما يعزز قدرة الأمم المتحدة على بلورة إطار أكثر مرونة ونجاعة لمواجهة تحديات متحولة.

لا يقتصر الرهان الأممي على المغرب في بعده الأمني الصرف، بل يتجاوز ذلك إلى الرؤية الشمولية التي تتبناها الرباط في مقاربة الظاهرة الإرهابية. فالمملكة تنطلق من قناعة مفادها أن الإرهاب ليس معطى أمنياً فقط، بل نتيجة سياقات مركبة تتغذى من الهشاشة الاقتصادية، والهامشية الاجتماعية، والفراغ الفكري. لذلك، عملت على بناء نموذج متكامل يجمع بين الردع القانوني، والتأطير الديني الوسطي، وسياسات الإدماج، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري والتكنولوجيا الحديثة.

هذا النموذج مكّن المغرب من التحول إلى “مدرسة أمنية” بالمعنى المهني للكلمة، حيث بات يتوفر على بنك معلومات غني، وشبكة تعاون واسعة مع أجهزة أمنية واستخباراتية عبر العالم. كما أن حضوره داخل أكثر من خمسين آلية تابعة للأمم المتحدة يبرز انخراطه العميق في العمل متعدد الأطراف، ويعكس التزامه الدائم بقضايا الأمن والسلم الدوليين.

ويؤكد باحثون في العلاقات الدولية أن تعيين عمر هلال في لجنة تيسير المراجعة التاسعة للاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب يجسد رهاناً أممياً كبيراً على الدور الذي يمكن أن يلعبه المغرب في صياغة أجندة دولية أكثر توازناً وواقعية. فالمملكة لا تطرح نفسها فقط كفاعل أمني، بل كصوت مدافع عن قضايا إفريقيا والجنوب العالمي، وحامل لرؤية تعتبر أن الاستقرار العالمي لا يتحقق إلا عبر معالجة الاختلالات البنيوية التي تنتج التطرف.

في هذا السياق، يكتسب الحضور المغربي داخل هذا المسار أهمية مضاعفة، لأنه يتيح نقل تجربة بلد نجح في تحصين مجتمعه، رغم محيط إقليمي ودولي مضطرب، إلى مستوى السياسات العالمية. كما يفتح المجال أمام مقاربة أممية أكثر حساسية للسياقات المحلية، وأكثر وعياً بضرورة المواءمة بين الأمن وحقوق الإنسان، وبين الردع والوقاية.

إن الرهان الدولي على المغرب في هذا الملف يعكس تحوّل المملكة من متلقٍ للسياسات الدولية إلى شريك في صناعتها. وهو تحول يكرس مكانتها كفاعل موثوق، قادر على الربط بين الخبرة الميدانية والرؤية الاستراتيجية، وبين الانخراط الإقليمي والمسؤولية العالمية. ومع اقتراب المراجعة التاسعة للاستراتيجية الأممية، يبدو أن التجربة المغربية مرشحة لأن تسهم في إعادة تعريف أولويات مكافحة الإرهاب، ليس فقط كمعركة أمنية، بل كمشروع عالمي لبناء مناعة جماعية ضد التطرف، أساسها الإنسان قبل السلاح.

إقرأ الخبر من مصدره