الأحرار أمام امتحان خلافة أخنوش.. ماهي الدوافع الحقيقية وراء الانسحاب المفاجئ؟

Écrit par

dans

في خطوة أربكت الحسابات الداخلية لحزب التجمع الوطني للأحرار، تلقّت قياداته وقواعده بقدر كبير من الذهول إعلان عزيز أخنوش عدم رغبته في الاستمرار على رأس الحزب وعدم الترشح للانتخابات المقبلة. القرار جاء في توقيت سياسي حساس، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث كان يُنظر إلى الحزب كأحد الفاعلين الأساسيين المرشحين للحفاظ على موقع متقدم في المشهد، بل وقيادة الحكومة لولاية ثانية، وهو ما عمّق حالة الارتباك وفتح باب التأويلات داخل التنظيم.

اللافت في هذا الانسحاب ليس مضمونه فقط، بل طريقته وسياقه، إذ جرى الإعلان عنه بشكل مفاجئ، من دون تمهيد سياسي أو إشارات مسبقة، ما غذّى الشكوك حول وجود دوافع غير معلنة. مصادر مقربة من رئيس الحكومة تشير إلى أن أخنوش بات مقتنعاً بعدم قدرته، أو عدم رغبته، في الاستمرار في قيادة الحكومة لولاية ثانية، مبرزة أنه توصّل إلى قناعة مفادها أن خوضه للحملة الانتخابية على رأس الحزب سيجعل التصويت موجهاً لشخصه أكثر مما هو للبرنامج أو التنظيم، وهو ما سيضعه عملياً أمام مسؤولية سياسية جديدة لا يرغب في تحملها. من هذا المنطلق، فضّل الانسحاب من الواجهة، مع تأكيده دعم أي اسم قد يتولى قيادة الحزب مستقبلاً.

غير أن هذا التفسير، وإن بدا منسجماً من حيث الشكل، لا يجيب بشكل كامل عن الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالسياق السياسي العام. فأخنوش، سواء من داخل الحكومة أو خارجها، يظل جزءاً من نواة القرار الاقتصادي والسياسي في البلاد، بحكم موقعه كرجل أعمال وازن، وشبكة علاقاته المتشعبة داخل عالم المال والأعمال، إضافة إلى مساره الطويل في تدبير قطاعات وزارية استراتيجية. بهذا المعنى، فإن خروجه من قيادة الحزب لا يعني انسحاباً من مراكز التأثير، بقدر ما يعكس إعادة تموضع محسوبة تفرضها التحولات الظرفية وتوازنات المرحلة.

في هذا الإطار، يرى متابعون أن ما يحدث يندرج ضمن منطق مألوف في الحياة السياسية الوطنية، حيث يتراجع فاعلون إلى الخلف بعد استنفاد أدوارهم الظرفية، ليفسحوا المجال لوجوه أخرى، كما حصل سابقاً مع عبد الإله بنكيران وغيره، إنها دينامية تداول داخل النخب نفسها أكثر مما هي قطيعة مع المنظومة، تحكمها اعتبارات التوقيت، والضغط السياسي، وحدود القبول الشعبي.

اليوم، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام امتحان حقيقي، يتمثل في اختيار قيادة جديدة قادرة على تدبير المرحلة المقبلة. أسماء وازنة تُتداول داخل الحزب، من قبيل رئيس مجلس النواب الطالبي العلمي، ومحمد أوجار، ونادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، غير أن الرهان لا يقتصر على الاسم بقدر ما يتعلق بالقدرة على التحكم في إرث ثقيل خلّفه أخنوش.

فالرجل لم يكن مجرد أمين عام، بل مهندس آلة تنظيمية وانتخابية معقدة، تقوم على شبكة من الأعيان ورجال الأعمال وقيادات محلية ارتبطت به شخصياً وسياسياً. هذا المعطى يجعل مهمة الخليفة المحتمل أكثر تعقيداً، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث سيكون عليه الحفاظ على تماسك الحزب، وإعادة ضبط موازين القوة داخله، والتعامل مع تركة سياسية وتنظيمية قد تتحول من عنصر قوة إلى عامل ارتباك إذا لم تُدبّر بحذر.

بذلك، لا يبدو انسحاب أخنوش نهاية مرحلة فحسب، بل بداية اختبار صعب لحزب بُني مؤخرا إلى حد كبير على شخصه، ويُطلب منه اليوم أن يبرهن على قدرته على الاستمرار كتنظيم سياسي، لا مجرد واجهة ظرفية في يد السلطة.

إقرأ الخبر من مصدره