
ريما. ل كود//
في ظل الأجواء السياسية العالمية المشحونة، والتراجع المقلق الذي تشهده العديد من القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات عبر العالم، يبرز المغرب، من خلال بعض مؤسساته، كنموذج يحاول أن يشق طريقًا مختلفًا. وقد جاء عرض رئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، ليؤكد أن هذا الاختلاف ليس مجرد خطاب رسمي، بل توجه مؤسساتي واعٍ يعكس تحوّلًا عميقًا في فهم دور النيابة العامة ووظيفتها داخل الدولة.
وقد قُدِّم هذا العرض خلال حفل افتتاح السنة القضائية 2026، الذي عرف حضور نخبة وازنة من المسؤولين، ضمت وزراء، ورؤساء مؤسسات دستورية، ومسؤولين سامين بالإدارة العمومية، إلى جانب المسؤولين القضائيين من مختلف ربوع المملكة. وهو سياق مؤسساتي رفيع المستوى منح للعرض وزنه الرمزي والسياسي، وجعل الرسائل التي حملها تصل بوضوح إلى قلب منظومة العدالة وإلى الرأي العام في آن واحد.
لم يكن العرض تقنيًا جافًا ولا قراءة باردة لحصيلة رقمية، بل جاء عرضًا تفاعليًا وحماسيًا، تفاعل معه الحضور بشكل لافت، وترك أثرًا واضحًا داخل القاعة. فقد بدا أن رئيس النيابة العامة لا يخاطب فقط مؤسسة، بل يخاطب وعيًا جماعيًا، ويقترح تصورًا جديدًا لدور النيابة العامة في مغرب يعرف تحولات عميقة وانتظارات مجتمعية متزايدة.
اللافت في هذا العرض هو اعتماده الواضح لمقاربة النوع، ليس كشعار ظرفي أو تزيين خطابي، بل كخيار استراتيجي في رسم السياسة الجنائية. فقد تحدث هشام بلاوي بلغة صريحة عن حماية النساء ضحايا العنف، وعن الأطفال، وعن ضحايا الاتجار بالبشر، مستندًا إلى معطيات دقيقة وأرقام واضحة، بما يعكس فهمًا عميقًا للهشاشة باعتبارها واقعًا اجتماعيًا يستوجب تدخلًا قضائيًا مسؤولًا.
لأول مرة، بهذا الوضوح، يتم تقديم النيابة العامة باعتبارها مؤسسة حافظة للأختام وضامنة للحقوق والحريات في آن واحد، لا ترى في القانون أداة للردع فقط، بل وسيلة للإنصاف وصون الكرامة الإنسانية. وهو ما يشكل، بكل موضوعية، سابقة في التاريخ المؤسساتي للمغرب، ويعكس وعيًا جديدًا بدور العدالة في مجتمع متغير.
ما يميز هذا العرض كذلك هو انسجامه مع روح الدستور والتزامات المغرب الحقوقية، دون الوقوع في خطاب إنشائي. فالكلام عن الفئات الهشة جاء مقرونًا بالحديث عن الآليات، وعن مراكز الإيواء، وعن البرامج الحمائية، مما يمنح لمفهوم “الحق العام” معنى أكثر عدالة واتساعًا، يجعل من حماية الضعيف جوهرًا للعمل القضائي.
هشام بلاوي، من خلال هذا العرض، يقدّم صورة لرئيس نيابة عامة كما يترجاه المواطن المغربي: مسؤول واضح، جريء، ومدرك لتعقيدات الواقع. وهو، في الآن نفسه، رئيس نيابة عامة كما تحبه كود: صريح، غير متردد في تسمية الأشياء بأسمائها، ويمنح للمؤسسة معنى يتجاوز النصوص إلى الأثر الحقيقي.
إنه عرض لم يكن مجرد استعراض لحصيلة، بل موقف مؤسساتي ورؤية واضحة، تعكس وجهًا جديدًا للمغرب، وتعيد تعريف دور النيابة العامة داخل الدولة والمجتمع.