
أحمد بلحاج آية وارهام
1 – ظلام يبتلع النور العقلي
التعصب ظلام يبتلع النور العقلي في أعماق الروح الإنسانية، حيث يلتقي العقل بالغريزة؛ يبرز التعصب كوحش أسود يلتهم أركان الفكر. إنه ليس مجرد حماسة مفرطة أو ولاء أعمى، بل إلغاء تام للعقل، حيث يُقصى المنطق من مسرح الحياة لصالح نوازع بدائية تُعيد الإنسان إلى كهوف التوحش. تخيل عالماً يُدار بالعواطف الجامحة لا بالحجج الدامغة؛ هناك يصبح التعايش الإنساني وهماً، وتتحول آليات التعاون إلى معارك دامية. إن الموضوع ليس مجرد تأمل فلسفي، بل صرخة ضد عقلية مستقيلة من عصرها، ترفض التقدم وتُمجد البربرية. التعصب، بوصفه إلغاءً للعقل، يُلغي قدرة الإنسان على التمييز بين الحق والباطل؛ فالعقل هو الجسر الوحيد نحو التعايش. بدونِهِ، تُغلب النوازع البدائية – الغضب، الخوف، الرغبة في السيطرة – ويصبح الإنسان ذئباً لأخيه، كما وصفه توماس هوبز في الليفياثان. سنستعرض هذا التحليل عبر محاور منطقية: طبيعة التعصب كإلغاء عقلي، آليات التعايش المُحطَّمة، وانتصار التوحش في عالم معاصر يتنازع عن الحداثة.
المنطق المُقصَى
العقل هو جوهر الإنسانية، كما عرفه أرسطو بأنه “اللوغوس” الذي يميزنا عن الحيوانات. لكن التعصب يُلغي هذا الجوهر، يحوِّله إلى أداة خادمة للغريزة. تخيّل التعصب كغشاء أسود يُعمي البصر الفكري؛ فالمتعصب لا يرى في الآخر إلا عدواً، ولا يسمع إلا صدى آرائه الخاصة.
هنا ينكشف الإلغاء: ليس رفضاً للحجة المخالفة، بل رفضاً لأي حجة أصلاً. منطقياً، يعتمد العقل على ثلاثة أعمدة: الشك، التحليل، والتوليف. والتعصب يهدمها جميعاً:
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
فالشك – الذي هو أداة ديكارت في التأملات – يُحوَّل إلى يقين أعمى. وذلك لكون المتعصب لا يشكُّ؛ وإنما يؤمن كالحيوان الذي يقْبِض على فريسته بدافع البقاء.
والتحليل: يرفضه المتعصب؛ لأنه يفكك الواقع إلى عناصره، والمتعصب يفضل التعميمات السوداء-البيضاء. كأن يرى في كل مسلم إرهابياً، أو في كل يهودي صهيونياً، دون تمييز فردي.
أما التوليف فإن المتعصب – بدلاً من بناء جسور فكرية – يُفضِّل التمزيق والتشتيت. ولذا كان ابن رشد يحذر من هذا الإلغاء في فصل المقال، معتبراً التعصب طغياناً على العقل الشرعي. يُعيد الإنسان إلى “عقلية الجماعة البدائية”، حيث يسيطر الجماعي على الفردي، فتصبح الطائفة إلهاً يُقدَّس، والعقل عبدًا يُسْكَت.
إن التعصب ليس خطأً عابرًا، بل هو انتحارٌ عقلي يُلغي آليات التقدم البشري.
آليات التعايش الإنساني
والتعايش ليس مجرد تسامح سلبي، بل آليات ديناميكية مبنية على العقل. أفلاطون في الجمهورية وصفه بـ”العدالة” التي تُوازِن بين الأجزاء؛ بدون عقل، تتحول إلى فوضى. ولا ترتفع الفوضى إلا بالحوار، والحوار هو “جدلية الروح” كما يعرفه هيجل، لكن المتعصب يرفض هذا، مفضلاً الصرخة على الكلام. وكم من حضارات سقطت بسبب التعصب؛ لأنه يُحوِّل الآخر إلى شيطان، فتُغْلَبُ النوازع البدائية: (الخوف يُولِدُ الكراهية، والكراهية تُولِدُ العنف). والدولة – حسب هوبز – هي التي في مكنتها تكْبِيلُ النوازع التوحشية، وخاصة في هذا العصر الذي ظهرت فيه جماعات متطرفة تُفَسِّرُ النصوص المقدسة بتعصب، مُلْغِيَةً العقلَ والدستور.
العقل يضْبِطُ النوازع المتوحشة، والتعصب يُطْلِقُ سَرَاحَها؛ حيث تبرز “عقلية التوحش المستقيلة من العصر” في زمن التقنية والعلم. ولا يخفى أن الحقيقة هي حرية العقل، كما عند سارتر في الوجود والعدم. والتعصب استعباد ذاتي، يُقيِّدُ الفرد بسلاسل الجماعة. ابن خلدون في المقدمة يصف التعصب كـ”عصبية” تُقْوِي أوّلاً ثم تُهْلِكُ. بديلُهُ؟ تعزيز العقل عبر التعليم، الحوار، والقانون. يجب استعادة آليات التعايش: برامج تعليمية تُعَلِّمُ الشك، محاكم دولية تُكْبِلُ التوحش، ثقافة تُمَجِّدُ التنوع.
نحو عقل ينتصر على التوحش
التعصب إلغاء للعقل، تدمير للتعايش، انتصار للنوازع البدائية. إنه توحش مستقيل من عصرنا، يُهَدِّدُ الحضارة. لكن العقل قادر على الانتصار؛ بشرط أن نرفض الاستقالة، ونبني جسوراً من المنطق. في نهاية المطاف، الإنسان ليس ذئباً إلا إذا اختار التعصب؛ فهو عاقلٌ يُمْكِنُهُ التعايش إذا احتكم إلى العقل والتعقُّل، وليس إلى التعصب والنوازع المتوحشة.
2 – ولادة في كهوف الغريزة
التعصب هو إعدام أولي للعقل، حيث ينبثق من الجهل والخوف كسيف أسود يقطع خيوط الفكر، مستلهماً هوبز وابن خلدون. يُدمج هنا التصنيف الأساسي: الديني كإقصاء عقائدي، والعنصري ككراهية أصلية، مع صور شعرية عن رقصة الغريزة المحطمة.
3 – أنواع التعصب
يُصنَّف التعصب بشكل مفصل: حسب الأساس (ديني، عرقي، جنسي، فكري)، ثم حسب الهدف (شخصي نحو الأفراد كعيسى أو علي، إيديولوجي نحو المذاهب)، وأخيراً حسب السياق (اجتماعي طائفي، عاطفي نفسي، قومي سياسي). كل نوع يُحلَّل كرفض للشك المنهجي، مع جدول مقارن للآثار.
4 – آثار التوحش
في رقصة الشك المحطمة تبرز الآثار كتدمير للتعايش الإنساني، حيث يغلب التعصب النوازع البدائية ويولد توحشاً مستقيلاً من العصر (استقطاب، إرهاب، استعلاء هوياتي). يُرَبَّطُ بين الأنواع: الديني يُقصي الآخر، والسياسي يهدم الدول.