الجسَدُ الأفُقي

Écrit par

dans

عبد الفتاح لحجمري
كيف يصير الاستلقاء سؤالًا فلسفيًا؟

هل يمكن أن يتحول الاستلقاء، في بساطته الحسية وهيئته الجسدية المألوفة، إلى استعارة كبرى للفناء؟ أليس في لحظة التمدد على الأرض ـ حيث يذوب الجسد في هيئة أفقية لا تعلو ولا تنخفض إشارة إلى انمحاء الحدود بين الكينونة وظلها الأخير؟ وهل يمكن أن يُقرأ الاستلقاء باعتباره راحة أو استرخاءً، أو تمرينا مسبقا على الموت، حيث يتساوى الجسد بالأرض ويتلاشى في وضعية الاستسلام؟ ثم أليس في هذا الانبطاح الصامت ما يذكّر بأن الفناء ليس حادثاً طارئاً، وإنما هو إمكانية مقيمة في وضعياتنا الأكثر بداهة، تتجلى كلما أرخى الجسد ثقله واستسلم لسَطح العالم؟
حين يتحوّل الجسدُ إلى سردية للفناء

في “قاعة الصحراء” بأكاديمية المملكة المغربية، تتنفس لوحات بوشتى الحياني الصمت، فتستقبل الداخل كما لو كان ضيفًا في عالم آخر؛ تتراقص ألوانها بين الضوء والفراغ، وتتحرك الخطوط مثل نبضات فكرية، فتتحول اللوحة إلى تجربة حية بين الواقع والخيال، بين العقل والإحساس. هناك، يصبح النظر إليها رحلة تأملية، والفن لغة صامتة تبوح بما تعجز عنه الكلمات، والدهشة لحظة مشتركة تجمع المتلقي باللون والخط والفكرة في تناغم كامل، وكأن القاعة نفسها تتحول إلى فضاء حيّ للفكر والجمال. يشكّل الجسد العاري المستلقي أفقياً في اللوحتين محور التكوين البصري في مرحلة من مراحل التجربة الفنية لبُوشتى الحياني، بما هو عنصر وجودي تتقاطع ضمنه عدة دلالات تتراوح بين الهشاشة والانكشاف من جهة، والجمال والألم من جهة أخرى. فالجسد، كما يقدمه الحياني، يعكس تعرية للذات من أقنعتها، وكشفا للكينونة في أضعف حالاتها وأكثرها صدقاً. أما وضعية الاستلقاء الأفقي، فهي لا تخرج عن تمثيلات الموت أو الاستسلام، حيث يقترن الجسد بهيئة الجثة أو الكائن العاري من قدرته على المقاومة. بهذا التوظيف، يتم تشكيل العلاقة بين الجسد والفضاء، ويتحوّل المشهد إلى لحظة تأملية يتوتّر فيها الجمال مع الفناء، ويتجاورُ الحسّ الإيروتيكي مع الهاجس الفلسفي للعدم.

في هذا السياق، يبتعد الحياني عن تقديم الجسد بوصفه موضوعاً شهوانياً، ليرتقي به إلى مستوى رمزي وفلسفي، حيث يصبح الحضور الجسدي نافذة تُطلّ على غياب محتمل، أو على حافة تمزّق داخلي. بهذا المعنى، لا يُعدُّ الجسد في أعمال بوشتى الحياني موضوعًا بقدر ما هو خطاب بصري ينفتح على إمكانات “القراءة الميتافيزيقية”، ويستدرج المتلقي إلى التحديق في مرآة مقلوبة للجمال، لا يصبح فيها الجسد مسرحاً للفتنة فحسب، وإنما شاهداً على الهشاشة التي تسكن أعماق الكائن، وصدىً لصراعه مع الزمن، والغياب، والهوية. تُحيل وضعية الجسد الأفقية على شبكة من الإيحاءات البصرية التي تلامس البعد الجنائزي أو السريري، فتستدعي صورًا مختزنة في الذاكرة الجماعية عن الموت، والرّقود، أو الاحتضار. يُقرأ هذا الاستلقاء، الذي ينزع من الجسد قدرته على الفعل والحركة، بوصفه تموضعًا وجوديًا يُعبر عن حالة انتقالية بين الكينونة والعدم، بين الحضور المادي والغياب المحتمل. وتنبثق من هذا الوضع الأفقي كثافة شعورية تعبّر عن الثقل، بوصفه لحظة انتظار لا نعرف إن كانت انتظارًا للخلاص أم للمصير المحتوم. تكتسب هذه الوضعية الأفقية أيضا بعدًا تأمليًا يتجاوز الإحالة البيولوجية للجسد إلى ما يشبه تعليق الزمن، حيث يتوقف كل شيء في محيط اللوحة، وتتحوّل الصورة إلى مشهد انتظاري مفتوح على الاحتمالات: موت، ولادة، شفاء، أو حتى غياب. هنا يتحوّل الجسد من مجرد موضوع بصري إلى موقع سردي محمّل بالدلالات، كأنما يرقد فوق سطح مرئي يخفي تحته قلقًا وجوديًا دفينًا، يثير لدى المتلقي شعورًا بالتورط العاطفي والنفسي. بهذا المعنى، تغدو الأفقية أداة بلاغية يشتغل بها الفنان على تقويض مركزية الجسد القائم، ليكشف عن صيرورته، وعن كونه عرضة للانكسار أو للتأويل، ضمن فضاء تتقاطع فيه الذاكرة الحسية بالأسئلة الميتافيزيقية حول المصير، والزمن، والنهاية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

867 : الرقم الذي سرق الاسم من الجسد

أمام الجسد، تبرز الأرقام “867” عنصرا بصريا دالاّ، يتعمّد خلخلة الانسجام العضوي للصورة عبر إدخال عنصر حسابي، لا يتماهى مع الجسد بقدر ما يناقضه. فالرقم، بما يحمله من حياد صلد وخلوّ من التعبير العاطفي، يُقابل الجسد بوصفه كيانًا نابضًا بالتجربة، محفوفًا بالزمن والتاريخ والانكشاف. يمنح هذا التوتر بين العضوي واللا-عضوي، بين الكائن والمجرّد، اللوحة كثافتها الرمزية ويحوّل الرقم من مجرد علامة عددية إلى أثر دلالي مفتوح على التأويل. إذ بالإمكان قراءته باعتباره ترميزا لسلسلة مجهولة، أو قيدا سِجْنيا، أو إشارة أرشيفية تختزل الجسد إلى معطًى في نظام مراقبة. وبهذا التوظيف المقصود، يغدو الرقم أداة تفكيك تُعرّي الجسد من سترته الفيزيائية ومن فردانيته، ليطرح الفنان عبر هذا التوازي المتوتر سؤالًا وجوديًا وأخلاقيًا حول مصير الإنسان حين يُختزل في رمز أو رقم، وحول ما يتبقى من الجسد حين يُجرّد من اسمه، من قصته، من صوته. في هذا السياق، يصبح “867” رمزًا لانتهاك الكرامة، ولتلك اللحظة التي يتحول فيها الجسد والذات إلى مجرد وحدة قابلة للعدّ والحصر، بلا خصوصية أو تاريخ شخصي. هذا الترقيم يعكس عملية تجريد عنيفة، تحوّل الفرد إلى كائن موضوعي داخل نظام قمعي يحكمه المنطق الإداري والبيروقراطي. تُجسد اللوحة مأساة وجودية عميقة، تتجلّى في اختزال الإنسان إلى مجرد رقم، وفي تجريد الجسد من صوته وحضوره الإنساني ليصبح هيئة صامتة، محكومة بغياب التعبير المباشر. لا يقتصر هذا الاختزال على حالة فردية أو ظرفية، بيد أنه فعل فني يحمل في طيّاته صرخة تشكيلية تقصم الكينونة إلى أشلاء مفككة، تجرّد الإنسان من تاريخه وخصوصيته.

أستطيع الزعم، أن بوشتى الحياني ينزع في مجمل أعماله إلى استخدام طيف لوْني باهت، شاحب، أو حتى متقشف، بوصفه وسيلة تعبيرية محمّلة بدلالات شعورية دقيقة. فغياب الألوان الصارخة أو الفوّارة ليس نقصًا، بقدر ما هو فعلُ نزْع متعمّد للزِّينة، تقشّف بصري يُحاكي تقشّفًا وجوديًا، يضع المتلقي أمام خامة الألم من دون وسائط تجميلية. هكذا، يعبّر الشحوب اللوني عن تراكم التوترات الداخلية التي لا تجد سبيلًا للتنفيس إلا عبر تلوين يقترب من الصمت، من الرماد، من المناطق الحدّية بين الحضور والغياب. وبهذا، تتحول اللوحة إلى مرآة حذرة للاضطراب الإنساني، ولحساسية الوجود حين يصبح الصمت أثقل من الكلام. بهذا المنظور، لا يغدو الجسد في لوحات الحياني دعوة للنظر الشهواني، ولا احتفالًا بالحسية، وإنما يتحوّل إلى مساحة للتفكّر في هشاشة الكينونة، في انكشاف الإنسان، وفي وجوده المعقّد بين اللذة والألم، بين الحضور والصمت. وهنا تتجلى المفارقة: الجسد عارٍ، ولكنه غير مغوٍ؛ مكشوف، لكنه لا يدعو إلى التلذذ وإنما إلى التفكير. واللون، بدل أن يُغري العين، يُبطّئها، يُطفئ شهواتها، ويقودها نحو طبقة أعمق من المعنى.

أفقية الجسد وانكشاف المصير

الأفقية التي يتخذها الجسد ليست مجرد هيئة مكانية، إنها انتقال في الدلالة من الامتلاء إلى الانكشاف، ومن القوة إلى الهشاشة. ففي لحظة الاستلقاء، يفقد الجسد رمزيته العمودية التي تترجم إرادة السيطرة والفعل، ليعود إلى صورته الأولى: كتلة مثقلة بالزمن، ملقاة في انتظار المصير. بهذا المعنى، تغدو الأفقية إيماءة وجودية تكشف عن حدّ الإنسان، وتضعه وجهاً لوجه أمام هشاشته القصوى، حيث يتلاشى كل زيفٍ قيمي أو اجتماعي، ويظل الجسد عارياً في مواجهة حقيقته الأخيرة. هنا ينهار الوهم بأن الحياة صعود دائم، لتتكشف في امتداد أفقي يعلن أن المصير ليس احتمالاً مؤجلاً، وإنما حضوراً كامناً في أكثر وضعياتنا بساطة.

بهذا، يتقاطع عمل الحياني مع نزعة فنّية فلسفية تضع الجسد في قلب سؤال فلسفي: ماذا يعني أن يكون الإنسان جسدًا؟ وما الذي يتبقى منه حين يُسحب من إغوائه البصري ويُترك لفراغه الأنطولوجي؟ في ضوء ما سلف، يعتبر الجسد في أعمال بوشتى الحياني تعرية وجودية، إذ يُحيلنا إلى هشاشة الإنسان في مواجهة الزمن، والمجتمع، والتاريخ كما أسلفتُ. والتعرية في هذا السياق تعني رفع الحجب عن تاريخ غير مرئي يفتح أمامنا أفقًا تأويليًا جديدًا يتحول بموجبه الجسد من مجرد موضوع فني إلى كائن يحمل عبء الذاكرة، أمام قدرة الإنسان على المقاومة في وجه آليات التجريد والسلطة، وإمكانية استعادة معنى الوجود الفردي وسط غربة متزايدة في مواجهة منظومات متكاملة من السيطرة. هكذا يغدو الاستلقاء أكثر من مجرد حركة جسدية عابرة، إذ يكشف في صمته الأفقي عن الوجه الخفي للوجود حيث يلتقي الجسد بظل فنائه. فهو لا يختزل في راحة أو سكون، بل يفتح إمكاناً للتفكير في المصير الإنساني ذاته، كأن الاستلقاء تمرين بطيء على التحلل في الزمن، وإيماءة أولى نحو العدم الذي يحتضن الكل في النهاية. من هنا، لا يكون الاستلقاء مجرد وضعية، بل استعارة فلسفية كاشفة: فنحن كلما ألقينا أجسادنا على الأرض، نعيد تمثيل علاقتنا بالزوال، ونجعل من البساطة الحسية لحركة عادية مدخلاً إلى أعمق أسئلة الفناء.

هل يمكن للوحة أن تكون مدخلًا لسؤال مدهش عن العلاقة الخفية بين الجسد والهوية، بين الألم بوصفه تجربة فردية والسلطة بوصفها قيدًا جماعيًا؟ وهل يكشف هذا الجسد، حين يُعرض على سطح اللوحة، عن كونه مجرد مادة بيولوجية، أم أنه يتحول إلى سجل حيّ لتاريخ الذات وتوتراتها؟ وإذا كان الجسد بهذا المعنى مرآةً للتوتر بين الفرد والنظام، بين الحميمي والعام، وبين حلم الحرية وثقل القيود، فهل تصبح اللوحة أكثر من مجرد أثر جمالي، لتغدو حوارًا مفتوحًا مع المشاهد حول جوهر الوجود، ومعنى الهوية، وإمكان أن يكون الفن ذاته فعل بقاء وتأمل وإنقاذ؟ وهل يكون الاستلقاء، في عمقه الرمزي، إعلاناً خفياً عن استعداد الجسد للغياب؟ أليس في امتدادنا الأفقي على الأرض ما يوحي بأننا نعيد كل مرة تجربة موت صغير، وكأننا ندرّب ذواتنا على التلاشي؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

إقرأ الخبر من مصدره