
يونس مليح
حين يكون الوطن فكرة، ويصير النجاح أسلوب حكم
ليس توصيف «المغرب دولة قارة» مجرد تعبير بلاغي، بل خلاصة مسار تاريخي، ورؤية سياسية، وخيارات استراتيجية جعلت من هذا البلد نموذجًا في التماسك والاستمرارية والقدرة على التحول. فالمغرب، بعمقه الإفريقي، وانفتاحه المتوسطي، وجذوره الأندلسية، وروحه الأطلسية، ليس دولةً تقاس بالمساحة، بل مشروعًا حضاريًا يُقاس بالفعل والنتائج.
لقد اختار المغرب أن يصنع استثناءه بهدوء، وأن يبني إنجازاته بعيدًا عن الضجيج. وفي قلب هذا المسار، تقف القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي لخّص ثقة الوطن في ذاته بعبارة صارت عنوانًا لمرحلة: «اللهم كثر حسادنا»؛ ليست شماتة، بل يقينًا بأن طريق البناء الحقيقي لا يخلو من ضجيج المتفرجين، وأن من يشتغل بجدّ تُراقَب خطواته.
إنجازات تتكلم… لا تُجادل
من البنيات التحتية الحديثة، إلى الأوراش الاجتماعية الكبرى، ومن التحول الرقمي إلى الدبلوماسية الاقتصادية، رسّخ المغرب معادلةً واضحةً: التنمية فعلٌ سيادي. فشبكات النقل المتطورة، ومشاريع الطاقات المتجددة، والإصلاحات المؤسساتية، كلها تشكّل منظومةً متكاملةً لا تبحث عن التصفيق، بل عن الأثر.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
يؤكد المغرب، مرةً بعد أخرى، أنه دولة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وأن التنظيم المحكم ليس حدثًا عابرًا بل ثقافة دولة. وفي هذا السياق، يأتي النجاح الباهر في تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 ليُجسّد نضج التجربة المغربية في تدبير التظاهرات الكبرى، من حيث الجاهزية، والاحترافية، وحسن التنسيق بين مختلف المتدخلين.
لم يكن التنظيم مجرد بنية تقنية، بل صورة وطن: مطارات تُحسن الاستقبال، طرق تُيسّر الحركة، ملاعب بمعايير دولية، وأمن ذكي يوازن بين الصرامة والمرونة. والأهم من ذلك كله، الاستقبال الحضاري للمغاربة—ذلك الرأسمال اللامادي الذي لطالما ميّز هذا البلد. فكرم المغاربة وجودهم لم يكن شعارًا؛ كان ممارسةً يوميةً لمسها الضيوف في الشارع، والفندق، والملعب، وفي التفاصيل الصغيرة التي تصنع الانطباع الكبير.
هذا النجاح الرياضي والتنظيمي ليس غايةً في ذاته، بل خطوةً ضمن مسار أوسع ينبغي أن يستمر ويتعمّق، خصوصًا على مستوى البنى التحتية: نقلٌ متكامل، فضاءات حضرية ذكية، خدمات رقمية فعّالة، واستدامة تُحافظ على الأثر بعد انقضاء الحدث. فالرهان الحقيقي هو أن يتحول كل تنظيم ناجح إلى رافعة دائمة للتنمية، وأن تتراكم الخبرات من حدثٍ إلى آخر، من نجاحٍ إلى نجاح.
وحتى نُصبح أقوى، يلزمنا:
مواصلة الاستثمار في الرأسمال البشري، لأن التنظيم يبدأ بالإنسان.
ترسيخ الحكامة الجيدة وربط التخطيط بالتقييم.
توسيع دائرة الشراكات، وجعل التنظيم ممارسةً وطنية تشمل الجهات كافة.
تثبيت معايير الجودة والاستدامة حتى يبقى الأثر طويل الأمد.
تثبيت منطق التخطيط طويل النفس وربط المسؤولية بالمحاسبة.
توطيد الحكامة الترابية حتى تتحول الجهوية إلى محرك فعلي للنمو.
ترسيخ ثقافة التنظيم الاحترافي في كل التظاهرات، لأن الصورة جزء من السيادة.
كل ذلك يتم بقيادة حكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من الثقة في القدرات الوطنية ركيزةً للفعل العمومي، ومن الاستباق والتخطيط أسلوبَ حكم. تحت هذه القيادة، لا يكتفي المغرب بتحقيق الإنجاز، بل يؤسّس له، ويضمن استمراره، ويُحوّله إلى قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع والصورة الدولية.
نحن المغرب… فقط
نحن المغرب حين نختلف فنحتكم للمؤسسات، وحين ننجح نُراكم ولا نغترّ. نحن المغرب حين نختار العمل بدل الضجيج، والنتيجة بدل التبرير. لسنا في سباق مع أحد، ولا نحتاج شهادة من أحد. نحن المغرب فقط: دولة تعرف طريقها، وتبني حاضرها، وتثق أن المستقبل يُصنع بالجدّ… لا بالضوضاء.
وإذا كثر الحُسّاد، فذلك لأن البوصلة مستقيمة، والخطى ثابتة، والوجهة واضحة.
-أستاذ باحث بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس
إقرأ الخبر من مصدره