هشام أحناش
بعد مباراة نهائي الكان، عودة إلى الصفاء والبهاء، إلى سنا جمالك يا بلدي! إلى طرقك التي تطوقها الثلوج، وتلفها ببياضها الناصع بياض قلوب أهله. عودة إلى ذاك المحيط الأبيض الذي يفرش الشوارع كسجاد سماوي حريري رفيع ينسج سيمفونيته الحالمة، ويبسط سكونه وطمأنينته على الأنفس المتعبة، فيغسلها من ضجيج أصحاب القلوب السوداء، ممن انساقوا وراء الغوغاء، وأحالوا فرجة قارية، إلى مأدبة لئام شيطانية، يصبون فيها جام حقدهم على كل نجاح من نجاحات عرس كروي راقٍ حاول المخربون إفساده بشتى الوسائل من قبل أن يبدأ وحتى آخر ثانية منه!
لكنهم فشلوا فشلاً ذريعًا حتى لو حسبوا أنهم أحسنوا صنعًا بشماتتهم من نتيجة مباراة النهاية! ولا عجب في ذلك! فسيكولوجية الجماهير الحاقدة تكفر بالعقل ولا تعتنق غير مبدأ التدمير والتخريب وتبخيس المنجزات والتنفيس عما تراكم داخلها من حقد وغضب وكره لكل ما هو جميل، ومن رغبة سادية تمثلت في الخروج احتفالاً بمسيرات بالآلاف في شوارع مدن كانت في سابق عهدها تهلل بالناصرية وبالشيوعية وغيرها من الآيديولوحيات المتهالكة وصارت اليوم تهلل بمعاداة المغرب ومناهضة كل شكل من أشكال نجاحه.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ليس هذا فحسب، بل سبقت مسيرات الشوارع حملات افتراضية مسعورة سخرت كل أنواع الذباب الإلكتروني والبعوض الرقمي ومرتزقة الإنترنت لشن حملات مسعورة ضد المغرب، لا لشيء سوى لأنه كان نفسه وأبدع في استضافة تظاهرة كروية، سما فيها وتسامى عمن تأبط شرًّا قبل انطلاق بطولة القارة السمراء وتربص به كل تربص، فأرسل جماهير ليس للاستمتاع والفرجة، بل لبث أحقاده ونشر سردياته المسمومة التي تقتات على التشكيك في كل إنجاز لتصريف عقدها وإخفاء إخفاقاتها.
سألتُ أخي الأصغر لكنه الخبير الأخبر بالشأن الكروي عن رأيه فيما حدث فقال “كان على المدرب بعد إعلان الحكم عن ضربة جزاء أن يُبقي اللاعبين في الملعب حتى يحافظوا على تركيزهم وألا ينجروا وراء استجداء أي أحد منهم لاستئناف اللعب، وترك قانون التحكيم يأخذ مجراه. لكن طيبتهم غلبتهم فراحوا يتوددون للخصم بعفوية لاستكمال المباراة فضاع تركيزهم وتشتت انتباههم وتحقق لمدربهم الخبيث هدفه المنشود بعد الابتزاز الذي مارسه ولاعبوه على البلد المضيف”.

تُوج المنتخب السنغالي بالكأس القارية ونقول له هنيئًا! لكننا لا نقولها من القلب لأنه أخذها بمكر مبيت وواضح للعيان، مستغلاً طيبة المغاربة الأحرار الذين لا يعرفون المكر بل رضعوا حليب الكرامة فتكونت شخصيتهم وهويتهم الفريدة التي تظهر ما تُضمر وتعني كل ما تقول ككتاب مفتوح. وهذا أمر لا يدركه حق الإدراك إلا من اختلط بمختلف الجنسيات العربية والإفريقية، دون التعميم طبعًا، لكن يبدو أن هذا لا ينفع مع عالم طغى عليه الافتراس واختلال ميزان القيم وصارت طغمة من رعاعه تفسد كل فرجة يطمع فيها شعب كان أمله الوحيد اختلاس لحظات فرحة تنسيه ما يحدث في هذا العالم المثقل بالأزمات والمثخن بالجراح، لكن يأبى الناقمون الحاقدون إلا أن يفسدوا كل فرحة وينثروا بدلها سواد قلوبهم في ملاعبنا وشوارعنا وحتى ديارنا وعلى شاشات هواتفنا! فلا عاشت أحقادكم السوداء ولا عزاء لكم لدى أصحاب القلوب البيضاء بياض ثلج طرقاتها وجبالها الشامخة التي لا تهزها رياح السموم الموسمية! مبروك لأسود الأطلس تتويجهم بكأس العزة والأخلاق واللعب النظيف! وطوبى لكم يا أصحاب القلوب ناصعة البياض، كبياض الثلوج المتساقطة هذه اللحظات على جبال الأطلس المغربية. ديما مغرب!