إبك يا بلدي الحبيب

Écrit par

dans


يونس اكناوي

لي صديقة مصرية الجنسية، تابعت مباراة المغرب والسينغال من مقهى في قلب القاهرة. “والحقيقة، تقول صديقتي، أن جل المتفرجين كانوا يساندون الفريق المغربي، باستثناء امرأتين من تونس الشقيقة، لم تتواريا عن إبداء فرحتهما العارمة عقب تضييع ضربة جزاء إبراهيم دياز، وإثر تسجيل السينغال هدف الفوز.”

تنتمي المرأتان من جهة إلى بلد شقيق عربي شمال أفريقي، ومن جهة أخرى نحن لم نحرم الفريق التونسي من التأهل لأي من أدوار المنافسة الأفريقية، فما هو يا ترى سر إجماع المرأتين على التحامل والشماتة المجانية ضد الفريق المغربي؟

يبدو الحدث عادياً، فكل حر في اختياراته وتوجهاته. لكن التأمل فيه يفضي إلى استنتاجات تلخص كل الضوضاء التي رافقت سير تنظيم هذه التظاهرة الرياضية القارية. كما أنه ينم عن واقع مرير، ألا وهو انتقال الحقد والضغينة من المؤسسات إلى الأفراد.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

نعم “إبك يا بلدي الحبيب” – ولا أجد عنواناً أبلغ من عنوان رواية ألان باتون –، فبالقلب غصة لا قرار لها من هول ما عشناه وشاهدناه أثناء هذه التظاهرة التي يفترض أن تكون احتفالاً أخوياً قارياً.

انتهى شهر كامل من المنافسة الكروية، شاهدنا خلاله ضروبا مختلفة من التجاوزات اللاأخلاقية، بدأً من القذف والسب إلى مغادرة الملعب والامتناع عن إتمام المباراة، مروراً بالاتهامات العلنية للمحكمين بالرشوة والتبول في المدرجات ومظاهر الشعوذة، إلى غير ذلك من السلوكات التي لا تمت بصلة إلى الروح الرياضية، والتي يقصد بها أساساً التشويش على حسن التنظيم وعلى أداء الفريق الوطني. اتضح أن المباريات لم تكن تقتصر على أحد عشر لاعبا داخل المستطيل الأخضر، بل تعدته إلى أبعد من ذلك بكثير. كانت هناك مناوشات في الشارع واستفزاز لرجال الأمن في الشوارع والمدرجات. لم يسلم الطلاب والمقيمون المغاربة في السينغال من عنف السينغاليين، ورأيناهم في حالة رعب يرجون الله أن يضيع إبراهيم دياز ضربة الجزاء كي لا يطالهم غضب السينغاليين. وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات، بلغني أن رجل الأمن الذي خلعت فكه من قبل الجمهور السينغالي قد غادر الحياة. ولا شك أن أشرس الحروب كانت تلك التي شنتها وسائل الإعلام بشكل ممنهج على البلد المنظم، وتلك التي انتشرت ومازالت تستشري في وسائل التواصل الاجتماعي، هدفها الأساسي الإخلال بتنظيم التظاهرة وزرع الشك في قدرة المغرب على تسيير وإدارة تظاهرة رياضية من هذا الحجم قبيل تنظيم كأس العالم المنتظرة.

لماذا يحدث كل هذا الشنآن في التظاهرات الكروية الأفريقية ولا يحدث في غيرها من التظاهرات المقامة في العالم؟

أثار منح شرف تنظيم كأس الأمم الأفريقية للمغرب ردود فعل متناقضة في القارة. فبينما رحب الكثيرون بتميز البنية التحتية المغربية، تمادى البعض في تبني سياسة عدائية متزايدة وواضحة المعالم. ذلك أن المغرب استثمر بكثافة في الملاعب والمجمعات والبرامج الرياضية، ليصبح الشريك المفضل للاتحاد الأفريقي لكرة القدم. وهذا التأثير يشكل بؤرة إزعاج حقيقية لبعض المنافسين التاريخيين، الذين يرونه “قوة ناعمة” يتم من خلالها نقل التوترات الدبلوماسية بشكل منهجي إلى المجال الرياضي. بالنسبة لهؤلاء المنتقدين، ينظر إلى تنظيم كأس الأمم الأفريقية في المغرب على أنه أداة لإضفاء الشرعية السياسية، وليس كمهرجان كرة قدم. لكن الخطير في الأمر هو انتقال هذه الأفكار بشكل متواتر وممنهج إلى الأفراد، وشكلت مواقع التواصل الاجتماعي مرتعاً ومداراً لزرع الضغينة والحقد، وحشد الهمم ضد ما يصور كعدو وجب الحظر على تفكير ورأي كل من تسوغ له نفسه أن يقول كلمة شكر أو تهنئة في حقه.

نعم “إبك يا بلدي الحبيب”، فهذا واقع جوارك وأخلاق بيئتك القارية. إبك ولا ضير أن تبكي، فالأسود تبقى أسوداً رغم كيد الكائدين والحاقدين. لقد أضاع إبراهيم دياز ضربة الجزاء، وهذا سيناريو كروي وارد حدث حتى مع أفضل اللاعبين في العالم من أمثال ميسي ورونالدو. ماذا لو أن إبراهيم لم يضيع ضربة الجزاء؟ لكنا فزنا بالكأس التي طال انتظارها، ولكان وليد الركراكي أفضل المدربين قارياً ومن أفضل المدربين عالمياً. ولكانت أيضاً ذريعة المغرضين لترسيخ شائعة شرائنا دُمَّة الحكام، ولكي تقوم القائمة وتندلع الفوضى في الملعب وفي شوارع العاصمة. فبالله رفقاً بالناخب، ورفقاً بإبراهيم وبنايل وبكل اللاعبين البواسل الذين دافعوا عن قميص بلدهم بكل ما أوتوا من قوة. ولا يجب أن ننسى أننا ظللنا طيلة المنافسة نتنغنى بأدائهم وبنجاعة خطة الناخب الوطني. لقد لعبنا وحاربنا بكرم ونبل وأخلاق عالية، بل وسعينا جاهدين وبسذاجة لإرجاع اللاعبين السينغاليين لأرضية الملعب، في حين أن القوانين تلزمهم بالإقصاء. نحن لسنا ملزمين بإثبات ذواتنا لأية جهة من الجهات، إنجازاتنا وكرم ضيافتنا تتحدث عنا. وعلى الرغم من كل مشاعر العداء التي تطاله، راهن المغرب على تنظيم مثالي لا تشوبه شائبة لإسكات الحاقدين، مؤمناً بأن التحدي الأكبر يكمن في إظهار قدرته على تمثيل مصالح أفريقيا بأسرها، وليس فقط طموحاته الوطنية.

إقرأ الخبر من مصدره