حين ينجح المغرب..

Écrit par

dans


عبد الرحمان بوخفة

خلال هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا، لم يفاجئ المغرب المتابعين بنتائجه فقط، بل بما قدمه من صورة تنظيمية عالية المستوى: بنية تحتية متطورة، مرافق حديثة، نظافة واضحة، انسيابية في التسيير، واستقبال لائق أعطى انطباعاً عاماً بأن البلاد اشتغلت بمنطق الدولة التي تخطط وتنجز وتدير التفاصيل بثقة وهدوء. لقد كانت بطولة كشفت، للمرة التي يصعب إنكارها، أن المغرب قادر على تنظيم تظاهرات قارية بمعايير عالمية.

غير أن هذا النجاح لم يمرّ دون ارتدادات. فقد أسقط، عملياً، سنوات من الدعاية التي صاغتها بعض الأطراف الإقليمية ضد المغرب، والتي حاولت ترسيخ سردية مفادها أن المغرب “مبالغ فيه”، أو أنه يعيش على “الواجهة” أكثر من الواقع. لكن الصور التي تابعها الجمهور، والمقارنات التي أجراها الناس بأنفسهم، جعلت استمرار تلك السرديات مكلفاً ومحرجاً، بل وأمام شعوبهم أيضاً.

وعندما تسقط الدعاية أمام الوقائع، تتحول الخيبة لدى بعضهم إلى غضب، والغضب إلى محاولة تشويه.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ومن هنا يمكن فهم ردود الفعل المتشنجة التي صدرت عن بعض الدول المجاورة. فالمسألة بالنسبة لهؤلاء ليست تفصيلاً رياضياً، بل صراع صورة ورصيد معنوي. فهم يجدون صعوبة في تقبل فكرة أن المغرب سبقهم منذ سنوات، لا فقط في الجانب المادي، بل في القدرة على التدبير، وفي تراكم الخبرة، وفي امتلاك أدوات الإدارة والرمزية. فحتى لو توفرت الإمكانات المالية، فإن الفارق الحقيقي يصنعه حسن التسيير وتراكم المؤسسات والانضباط والقدرة على تقديم نموذج مقنع. وحين يغيب هذا كله، يصبح الطريق الأسهل هو استهداف صورة الآخر بدل إصلاح الذات.

في السياق نفسه، لا يمكن تجاهل أن بعض الانتقادات القادمة من فرنسا لا تُفهم دائماً داخل إطار “الرياضة فقط”. فهناك، أحياناً، نبرة توحي ببقايا نظرة قديمة، فيها نزعة للتقليل من كل نجاح لا يأتي من “المركز” التقليدي. وكأن التفوق حين يصدر من غيرهم يجب أن يُستقبل بالتشكيك والسخرية بدل الاعتراف. وربما الأخطر من ذلك، أن بعض المغاربة يتأثرون بهذه الأجواء، فيندفعون نحو طلب الاعتراف الخارجي، وتقليد الآخر، والاعتقاد أن لغته وثقافته بالضرورة أرقى وأكثر “وجاهة”، في حين أن المغرب، في الواقع، لا يحتاج إلى إذن من أحد كي ينجح، ولا إلى شهادة من أحد كي يثبت ذاته.

غير أن ما أثار الصدمة الأكبر لدى المغاربة لم يكن في هذه الانتقادات المتوقعة، بل في ردود فعل صدرت من السنغال. فداخل الوعي المغربي، ظل السنغال لسنوات طويلة يُنظر إليه بوصفه “الأقرب” روحياً ودينياً وإنسانياً، وشريكاً له امتداد تاريخي في السياسة والاقتصاد والعلاقات الشعبية. ولذلك، كان وقع تصريحات بعض مسؤولي الكرة هناك، وتصريحات المدرب بشكل خاص، أثقل من غيرها. فالنقد حين يصدر عن خصم مفهوم، أما حين يصدر عن طرف يُعامل باعتباره شقيقاً، فإنه يتحول إلى خيبة وإحساس بالخذلان.

كما أن الإشكال لم يكن في “وجود ملاحظات” بحد ذاته، بل في الطريقة التي اتُّبعت. فإذا كانت النوايا فعلاً بناءة، فإن التواصل مع المسؤولين المغاربة كان الطريق الأسهل والأكثر احتراماً.

القنوات الرسمية موجودة، والتنسيق في التظاهرات الكبرى لا يقوم على التصريحات الإعلامية بل على المراسلات والاجتماعات والإجراءات التنظيمية. لذلك بدا لعدد واسع من المغاربة أن اختيار التصعيد الإعلامي لا يخدم الحل، بل يخدم التشويش والضغط الرمزي على صورة التنظيم.

وقد زاد هذا الانطباع عندما جرى استحضار مقارنة رمزية من قبيل الإشادة ببطولة “الشان” المنظمة في الجزائر على حساب هذه النسخة من الكان رغم أن الفارق التنظيمي، في نظر كثيرين، كان واضحاً لصالح المغرب. بالنسبة للمغاربة، لم تكن هذه المقارنة بريئة، بل حملت رسالة تتجاوز الرياضة إلى تموضعات سياسية ورهانات إقليمية.

وفي خلفية كل ذلك، برز شعور متزايد بأن السنغال نفسه يشهد تحولات داخلية: نخبة سياسية جديدة، خطاب شعبوي يتقدم، وجيل شاب أقل ارتباطاً بالذاكرة المشتركة وبالروابط الروحية القديمة. وهذا ما جعل بعض المغاربة يراجعون نظرتهم السابقة التي كانت تفترض أن “الأخوة” ثابتة لا تتغير، وأن التاريخ وحده كافٍ لضمان استمرارية العلاقة.

ومع ذلك، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها: السنغاليون حظوا دائماً بمكانة خاصة داخل المجتمع المغربي، والدليل أن جماهير مغربية شجعت السنغال بحماس في طنجة، حتى في مباريات لا تخدم اختياراتها الرياضية المباشرة. كانت تلك عاطفة صادقة أكثر منها حسابات.

لكن أهم ما خرج به المغاربة من هذه البطولة ليس الانفعال، بل الدرس. درس في الواقعية وفي فهم طبيعة العلاقات: الاحترام مطلوب، والتعاون مهم، والروابط الإنسانية قيمة عالية… لكن ما يحكم النهاية هو المصالح. ومن هنا بدأت تتشكل قناعة جديدة عند شريحة واسعة: المغرب سيواصل بناء الجسور مع الجميع، وسيحافظ على أخلاقه، لكنه لن يتعامل بعاطفة مجانية. فابتداءً من الآن، الأولوية ستكون لقاعدة واحدة: مصلحة المغرب أولاً.

المغرب يتقدم، وسيواصل التقدم. لكن بعين مفتوحة على الواقع، وبثقة أكبر في الذات، وبمبدأ ثابت: النجاح لا يحتاج شهادة من أحد… والكرامة لا تُدار بالعواطف وحدها.

إقرأ الخبر من مصدره