أتعاب المحامي المغربي بين العرف والقانون

Écrit par

dans


رشيد وهابي

في هذا الوقت بالذات، الذي يُضرَب فيه الزملاء والزميلات بمختلف ربوع المملكة المغربية دفاعًا عن محاماة قوية، مستقلة، ومحصنة، وهي المعركة التي تبناها جلّ المحامين المغاربة، وهي معركة ليست للدفاع عن المحامي أو المحاماة كما يُسوِّق البعض، لأنها بالدرجة الأولى معركة من أجل الدفاع عن نصوص قانونية تمنح للمحامي دفاعًا مستقلًا ومحصنًا من كل تأثير أو خوف؛ دفاعًا يدافع عن المغربي بشجاعة، وبقوة النصوص التي تحميه وتحصنه، طبعًا في احترام للقوانين والسلطات وللقَسَم المهني، لا دفاعًا مُقترًا يحسب كل كلمة ينطق بها، وكل كلمة يكتبها، وكل تصرف يقوم به في إطار دفاعه عن موكله المغربي أمام المحاكم المغربية.

محامٍ يخاف أن يتبدل مركزه وهو يُدافع عن المتقاضي المغربي من مدافع ومحامٍ إلى متهم أو محامٍ موضوع تأديب. إن السير بنصوص قانون المحاماة في هذا الطريق الضبابي والرمادي وغير الواضح سيكون أثره أكبر، بالدرجة الأولى، على المتقاضي المغربي وحقوقه في دفاع كامل.

وهذا التوجه المعيب لن يُنجب لنا مستقبلًا سوى محامٍ ضعيف، خائف، متوجس. وأمام خطورة النصوص الماسة باستقلالية وحصانة وأهمية المحاماة، وآثارها على قوة الدفاع عن المتقاضي المغربي، آثرت على نفسي أن أطرح وجهة نظري بخصوص بعض النصوص القانونية المضمنة في مسودة مشروع قانون المحاماة رقم 66.23. فرغم ما استقيته من إيجابيات في الكثير منها، خلصت إلى أن بعض نصوصه تضرب مهنة المحاماة واستقلاليتها وحصانتها وقوتها في الدفاع عن المتقاضي المغربي دون مركبات نقص أو خوف، ضربًا في الصميم.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وقد فضّلت في البداية ألّا أكتب أو أتكلم عن عوار هذه النصوص، تاركًا ذلك للمؤسسات المهنية التي تبلي البلاء الحسن، ونعوّل عليها في أن تقود هذا النقاش، ونشدّ عضدها ونساندها. غير أنني وجدت من واجبي، وبما تيسر لي من تجربة متواضعة، أن أطرح مقترحًا آخر، لا أعتقد أنه طُرح أو أُشير إليه من قبل، رغم أهميته وخطورة إغفاله، وهو المتعلق بتقاضي المحامي لأتعابه من خصم موكله في حالات معينة.

وبالرجوع إلى قانون المحاماة الحالي، نجد أن المادة 44 تنص فقط على أن المحامي يتقاضى أتعابه من موكله، دون أي تنصيص على إمكانية تقاضي الأتعاب من خصم الموكل، كما لا يوجد كذلك أي تنصيص صريح يمنع ذلك. فالنصوص القانونية لقانون المحاماة تنظم الأتعاب بين المحامي وموكله، ولا تتطرق بتاتًا إلى الحالات التي يمكن فيها للمحامي أن يتقاضى أتعابه من خصم موكله، وهي حالات يجري بها العمل بشكل عادي ومتعارف عليه بين أغلب المحامين، خصوصًا في القضايا التي تنتهي بالصلح، حيث يتكلف الخصم، برضاه، بأداء أتعاب محامي خصمه دون مشاكل.

إذن، فإن أداء الأتعاب من طرف خصم الموكل أمر متعارف عليه ويجري بسلاسة وبدون إشكالات في أغلب الأحيان. غير أن الإشكال الحقيقي، الذي يستوجب التوقف عنده، يبرز حين يقع المحامي، الذي تقاضى أتعابه من بعض الخصوم المتمرسين في البحث عن هفوات المحامين أو في التشكيك في قانونية تصرفاتهم المهنية، تحت طائلة الشكايات أو المتابعات. وقد يكون هذا السلوك فطريًا لدى الخصم، أو مدفوعًا من بعض الزملاء، سامحهم الله. وهنا يجب أن ندق ناقوس الخطر، حتى لا نترك المجال مفتوحًا لمن يبحث عن أفعال محللة بحكم العرف والعمل الجاري، لكنها غير منظمة قانونًا، ليتقدم بشأنها بشكايات قد تجعل المحامي محل شبهة أو متابعة تأديبية أو حتى جنحية.

لذلك، فإن على جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وهي الجهة المكلفة بالتعديلات بصفة تشاركية مع وزارة العدل، أن تُدرج مادة تُضاف إلى المواد المتعلقة بأتعاب المحامي، يُنص فيها صراحة على أنه إذا سهر المحامي على إجراءات الصلح في أية قضية، كيفما كانت، وتم فض النزاع قبل اللجوء إلى المحكمة أو بعد اللجوء إليها، فإنه يمكنه أن يتقاضى أتعابه من موكله أو من خصم موكله، بمكتبه، بعلم وموافقة خصم الموكل، أو بعلم محامي خصم الموكل إذا كان ممثلًا بمحامٍ.

ويعود سبب اقتراح تنظيم هذا المقتضى إلى كون الكثير من المحامين، خلال مسيرتهم المهنية، صادفوا قضايا جرى العرف فيها على أن يؤدي خصم الموكل أتعاب محامي خصمه، بعد اتفاق والتزام بذلك، بدل أن يؤديها الموكل نفسه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضايا إصدار شيكات بدون رصيد، التي تُصفّى حبيًا بين المحامي نيابة عن موكله وبين الخصم مباشرة، أو مع محامي خصم الموكل. وفي أغلب هذه الملفات، إن لم نقل كلها، يتكلف الخصم بأداء مبلغ الشيك وأتعاب محامي خصمه، وبعد ذلك يُسلّمه المحامي الشيك الأصلي وشهادة عدم وجود الرصيد أو نقصانه.

قد يقول قائل من الزملاء: لماذا لا نعمل بنصيحة الآية 101 من سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم﴾؟ وقد يقول آخرون: لماذا نثير موضوع سلوك جرى به العمل حتى أصبح عرفًا لا يختلف حوله اثنان؟

إن ما دفعني لكتابة هذا المقال هو أن حسن الحظ، حسب علمي المتواضع، حال دون وصول قضايا إلى المحاكم المغربية تطعن في أحقية المحامي في تقاضي أتعابه من خصم موكله. غير أنني لا أنسى واقعة حضرتها قبل أكثر من عشرين سنة، حين تسلّم محامٍ من خصم موكله أتعابه عن طريق شيك، ليتبيّن لاحقًا أن الشيك رجع بدون رصيد. وبعد أسبوعين، وجّه الخصم للمحامي إنذارًا يطالبه فيه بإرجاع مبلغ الشيك، مذكرًا إياه بأنه محامي خصمه ولا حق له في تقاضي الأتعاب منه. وقد طُوي هذا الملف بتدخل بعض الزملاء الكرام، ولم يتجاوز مسطرة الإنذار.

قد يُقال إن المحامي كان عليه أن يتقاضى أتعابه نقدًا، غير أن تسجيلات الصوت والصورة اليوم أصبحت وسائل قد يستعملها بعض الماكرين لإقامة الدليل على تعامل جرى بين الأطراف. لذلك، فإن التنصيص الصريح في قانون المحاماة المنتظر على قانونية تقاضي الأتعاب من الخصم كلما انتهى الملف بالصلح، هو الحل المريح والضامن، الذي يسمح للمحامي بتقاضي أتعابه نقدًا أو بالشيك، وتسليم خصم الموكل وصلًا بذلك دون وجل أو خوف أو احتياط.

وإذا كانت أغلب القوانين العربية والغربية تُلزم المحكوم عليه بأداء جزء من أتعاب خصمه في حالة صدور حكم قضائي، فكيف لا يستحق المحامي أتعابه من خصم موكله وقد اجتهد في إنهاء النزاع صلحًا، قبل الوصول إلى المحكمة أو أثناء جريان الدعوى أو حتى بعد صدور الحكم باتفاق الأطراف؟

لذلك أرى أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب مطالبة بترسيم كل نشاط مهني مشروع يمارسه المحامي المغربي، بنصوص تحميه من شطط أو كيد بعض الموكلين أو الخصوم. وإذا كان قانون المحاماة في صيغته الأخيرة، وخصوصًا المادة 43، يحث المحامي على تشجيع موكله على إنهاء النزاع صلحًا قبل اللجوء إلى القضاء، وإذا كانت مواد الأتعاب تربطها دائمًا بالموكل، فإن من باب أولى أن يُرسَّم حق المحامي في تقاضي أتعابه من خصم موكله إذا انتهى النزاع بالصلح، إما بتدعيم المادة 43 أو بإضافة مادة مستقلة تؤسس لهذا الحق، وفق الاتفاق الحاصل بين الموكل وخصمه.

وإذا كانت محاكمنا، حسب علمي المتواضع، خالية من نزاعات من هذا القبيل، فإن دولًا أخرى وصلت فيها هذه المسألة إلى القضاء، وصدرت قرارات قضائية تؤكد عدم أحقية المحامي في تقاضي الأتعاب من خصم موكله إلا بوجود وكالة، كما هو الشأن في قرار محكمة النقض المصرية (الطعن رقم 2383 لسنة 64 ق، جلسة 29/1/1995)، وقرارات محكمة التمييز الأردنية، وهو ما يفرض علينا التحرك الاستباقي حتى لا نفاجأ مستقبلًا باجتهاد قضائي مماثل.

لذلك أقترح إضافة فقرة ضمن المواد المتعلقة بأتعاب المحامي، ولا سيما المواد 61 و67 من مشروع قانون المحاماة رقم 66.23، وفق الصيغة التالية:

«المحامي الذي قام بإجراءات إنهاء النزاع بالصلح يكون له الحق في تقاضي أتعابه، ويجوز أن يتكفل خصم موكله بأداء هذه الأتعاب بعد اتفاق الموكل والخصم على ذلك».

المحامي بهيئة الجديدة

إقرأ الخبر من مصدره