زيطان يزاوج بين الموروث والتبوريدة


هسبريس – منال لطفي

يواصل الكاتب والباحث المسرحي محمد زيطان اشتغاله على الذاكرة الجماعية والموروث الثقافي المغربي، من خلال مسرحية “فوضى فـ الراس”، التي تقترح على الجمهور رحلة كوميدية عميقة داخل تناقضات الإنسان وأسئلته الوجودية، في فضاء احتفالي يستلهم أجواء المواسم الشعبية وفن التبوريدة بوصفه أحد أبرز تجليات الارتباط بالأرض والهوية.

تستحضر المسرحية طقوس “الموسم” الذي يقام في ضواحي المدن وداخل القرى والبوادي المغربية منذ قرون، حيث يمتزج الخطاب النضالي الحماسي بالنفس العاطفي الرومانسي، في احتفاء واضح بالموروث الثقافي الأصيل. هذا الفضاء الاحتفالي لا يظل مجرد خلفية بصرية، بل يتحول تدريجيا إلى مرآة تعكس صورة الإنسان في هشاشته وتناقضاته وانكساراته وأحلامه المؤجلة.

يقوم البناء الدرامي للعمل على حكاية “العساس”، الشخصية المحورية التي تبحث عن هويتها الحقيقية وسط صخب الموسم وحركيته؛ فبينما يظهر تارة في صورة “الوناس”، ابن شيخ القبيلة وعاشق الزاهية، يعود تارة أخرى ليطل بوجه مغاير تماما، هو “الكبران الوردي”، الجندي الذي قاتل ضمن صفوف الفرنسيين في حرب “لاندوشين” ليفتح باب العديد من التساؤلات يجيب عليها النص بسخرية ذكية وعمق إنساني.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

تتعزز هذه الرحلة الدرامية بسلسلة من الشخصيات التي تضفي على العمل بعده الكوميدي والاجتماعي، من بينها شخصية “الجيلالي” الجشع، الذي لا يتردد في استغلال سذاجة “العساس” لتحقيق مآربه الخاصة، ثم “الشيخة كاميليا” التي ما تزال رغم تقدمها في العمر وتجاربها الزوجية المتعددة، تحلم بشاب وسيم يقاسمها الحياة. كما تحضر شخصية “الزاهية”، ابنة كاميليا، بقناعها المزدوج ودهائها العاطفي، حيث تنصب فخا محكما لـ”العساس” بدافع ولعها به، لتتشكل مواقف كوميدية أساسها ثلاثية: الطمع، السذاجة والحب.

يشارك في تشخيص هذا العمل المسرحي كل من محمد الخصام، والمختار كاتي، وعفاف عدرة، وأحمد تميم، والمهدي لمزيوي، تحت إدارة المخرج محمد رباني. أما السينوغرافيا فكانت من توقيع هشام عطواشي، فيما أشرف أنس البلالي على تصميم الإضاءة، وتولى محمد المالكي تنفيذ الديكور، بينما وقع الموسيقى والمؤثرات الصوتية ياسين اسمن.

وبهذا العمل، يواصل محمد زيطان مساءلة الإنسان المغربي من داخل تراثه وذاكرته الجماعية، موظفا الكوميديا الشعبية والرمز المسرحي ليقترح فرجة تجمع بين المتعة الفنية والتأمل العميق، وتعيد الاعتبار لفن التبوريدة والمواسم التقليدية كخزان غني للحكي والمعنى والهوية.

إقرأ الخبر من مصدره