بين الإستمرارية والتجديد: التغيير من أجل الترصيد ورهان الزمن السياسي

Écrit par

dans

بقلم الدكتور جمال العزيز

في لحظات الإنتقال داخل الأحزاب الكبرى، لا يكون الخطر الحقيقي في الأشخاص الذين يتقدمون للواجهة، ولا في الأسماء التي تُتَداولُ في الكواليس ؛ لكن بالمنطق الذي يُدارُ به الإنتقال، وفي القدرة على التحكم في الزمن السياسي .

ومن هذا المنظور، فإن النقاش الدائر اليوم داخل حزب التجمع الوطني للأحرار لا ينبغي أن يُختزَل في ثنائيات مُبسَّطة، ولا في قراءات هامشية، بل في التغيير من أجل الترصيد.

هذا المفهوم لا يعني إعادة إنتاج التجربة الحالية بأشكال جديدة، كما لا يعني القفز عليها أو التنصل منها. فالتغيير الذي لا يعترف بالتراكم يتحول إلى مقامرة، والإستمرارية التي ترفض التجديد تتحول إلى عبء سياسي وتنظيمي.

التغيير من أجل الترصيد يهدف إلى ضمان انتقال هادئ ومسؤول يحفظ وحدة التنظيم ويؤسس لمنطق جديد ؛ لا يُبنَى بالإحتماء بالماضي من وراء حِجاب، بل بامتلاك رؤية واضحة و اتخاذ القرار داخل المؤسسات.

وفي خضم هذا المسار، يظل موقع المناضلات و المناضلين عنصرا حاسما في معادلة الإستقرار والتجديد. فالمناضل الذي راكم تجربة ميدانية، وساهم في بناء التنظيم في فترات الصعود والتحدي، لا يمكن التعامل معه بمنطق التهميش أو المساواة الشكلية مع الوافد الجديد؛ مهما كانت كفاءته. كما أن الإنفتاح على كفاءات جديدة يظل ضرورة، لكن بشرط أن يتم في إطار يحترم الذاكرة التنظيمية.

وفي هذا الإطار، فإن أي تصور لقيادة مُرتبِكة غير مؤطرة برؤية موحدة وآليات دقيقة للمسؤولية والمساءلة، قد يتحول من أداة توازن إلى مصدر الوَهَن والتيه وتصفير العدَّادْ. كما أن توسيع هامش التدبير الجهوي، إذا لم يكن مضبوطا بخط سياسي وطني واضح، قد يفضي إلى تعدد مراكز القرار، وتناقض الخطاب، وإضعاف صورة الحزب كفاعل وطني منسجم.

واستشرافا للمستقبل القريب، فإن ربح معركة الزمن السياسي يتحقق ببناء مسار تراكمي يوازن بين الإستقرار والجرأة و الواقعية السياسية والطموح المشروع.

خلاصة القول، إن التغيير من أجل الترصيد ليس حلا تقنيا ولا مناورة ظرفية، بل خيار استراتيجي يتطلب شجاعة سياسية ووعيا راقيا. وهو ، في هذه اللحظة الدقيقة، المدخل الحقيقي لضمان انتقال قيادي متوازن، وبناء شرعية جديدة، وحماية الحزب من الإرتباك، والمساهمة في مسار وطني يحتاج إلى فاعلين يتحملون مسؤولية الزمن السياسي لا من ينقل امتيازاته الوهمية للقيادة الجديدة.

إقرأ الخبر من مصدره