
عبد الرحمان بوخفة
المغرب اليوم لم يعد مجرد بلدٍ يسير في طريقه بهدوء. المغرب صار رقمًا صعبًا، وصار حضوره مزعجًا للبعض، وصار نجاحه يفرض نفسه رغم أنوف كثيرة. ولهذا بالضبط، فهو لا يُراقَب فقط… بل يُستهدف. لكن الاستهداف في زمننا لم يعد دائمًا صاخبًا أو مباشرًا. لم يعد يحتاج إلى تهديدات علنية ولا إلى مواجهات مفتوحة. هناك نوع أخطر من الحروب: حرب ناعمة، بملابس أنيقة، وبأدوات “محترمة”، وبنتائج مؤلمة.
اليوم المعركة الحقيقية تُدار على مستوى الوعي، وعلى مستوى صورة البلد، وعلى مستوى “من يقنع الناس بماذا”، وكيف تُصاغ القصة، ومن يملك حق سردها. لأن الذي يربح السردية، يربح نصف الصراع قبل أن يبدأ.
ومن الخطأ أن نتصرف وكأن هذا الكلام مبالغة. كل دول العالم، بلا استثناء، تشتغل خارج حدودها حين يتعلق الأمر بالمصالح والنفوذ. الفرق فقط في الأسلوب. بعضهم يعمل بعقلية القوة، وبعضهم يعمل بعقلية “النفوذ الناعم”. والمغرب تحديدًا يتعرض لهذا النوع الثاني بكثرة: اختراق تدريجي، صامت، بلا ضجيج… لكنه فعّال.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
كيف يحدث ذلك؟ ليس دائمًا عبر المال المباشر أو “شراء الذمم” كما يتصور الناس. أحيانًا يكفي مدخل بسيط: دعوة إلى مؤتمر، سفر قصير، إقامة مريحة، جلسات مغلقة، شبكة علاقات، صور مع أسماء كبيرة، وجرعة محترمة من الإحساس بأنك “مهم” وأنك “مختار” وأنك “فوق العاديين”. في الظاهر: تعاون وتبادل وخبرة. وفي العمق: بناء ولاء بالتدريج.
ومع الوقت، يتحول الأمر من دعوة عابرة إلى باب دائم. ومن امتياز صغير إلى أسلوب حياة. وهنا تبدأ التحولات الخطيرة: لا أحد يطلب منك صراحة أن تغيّر رأيك، لكنك أنت تبدأ تلقائيًا في “تلطيف” خطابك، وفي اختيار كلماتك، وفي تجنب الملفات التي تزعج الجهة التي فتحت لك الأبواب. ليس لأنك تلقيت أمرًا… بل لأنك فهمت اللعبة دون أن يشرحها لك أحد.
والأدهى أن الاستهداف لا يقتصر على السياسيين. بالعكس، اليوم تُستهدف فئات أكثر تأثيرًا على المزاج العام: الصحافي الذي يصنع العناوين ويقرر ما الذي يصبح قضية وما الذي يُنسى، الأكاديمي الذي يعطي الموقف شرعية علمية ويقدمه كأنه حقيقة موضوعية، المؤثر الذي يوجه ردود فعل الشباب بسرعة، والناشط الذي يمكن أن يتحول بخطاب جميل إلى أداة في معركة أكبر منه. هذه هي مفاتيح التأثير الجديدة. وهذه هي مراكز القوة في زمن السرديات.
ثم نصل إلى أخطر نقطة: التمويل. التمويل ليس عملًا خيريًا بريئًا كما يُسوَّق لنا. التمويل يصنع اتجاهًا، ويرسم سقفًا، ويحدد ما الذي يُروَّج وما الذي يُحارب. قد لا يفرض عليك جملة مكتوبة، لكنه يفتح لك منصة ويمنحك مساحة، ثم يتركك تفهم وحدك ماذا يريد منك. وهكذا يصبح المشروع الصحافي أو الأكاديمي أو السياسي، شيئًا فشيئًا، جزءًا من أجندة الجهة التي تموله، حتى لو كان يحمل عنوانًا مغربيًا وواجهة مغربية.
والحقيقة التي يعرفها الجميع — لكن قلّة من تقولها بصوت عالٍ — هي أن هناك صحافيين وأكاديميين يحصلون إما على تمويل مباشر لمشاريعهم، أو على تلميع وترويج رهيب، أو على علاقات نافذة وأبواب خاصة. يصبحون معروفين لدى الجميع، يظهرون في كل مكان، ويُقدَّمون كخبراء، وتُصنع لهم هالة “المرجعية”. والسبب ليس دائمًا عبقرية خارقة أو اجتهادًا فريدًا. أحيانًا السبب بسيط: لأن خطابهم يرضي الجهات التي تموّل وتكافئ وتُضخّم الصوت الذي يخدمها.
وهنا تصبح المشكلة مضاعفة: ليس فقط أن خطابهم منحاز، بل يتم تقديمه للناس باعتباره “العقلانية الوحيدة”، ويُقدَّم كل من يخالفه كأنه متشنج أو عاطفي أو شعبوي. وهكذا يتحول الاختلاف إلى تهمة، وتتحول الوطنية إلى شبهة، ويصبح الدفاع عن البلد “تعصّبًا”، بينما تكرار سردية الخصم يصبح “وعيًا” و“تحررًا” و“جرأة”.
ولنكن صريحين أكثر: نحن أيضًا نساعد أحيانًا على هذا الاختراق بسبب عقدة قديمة اسمها “الاعتراف الخارجي”. بعض الناس لا يشعر بقيمته إلا إذا صفق له الخارج. لا يقتنع أنه محترم إلا إذا تم استقباله هناك. لا يصدق أنه مؤثر إلا إذا تم ترويجه من هناك. وهذه الثغرة تُستعمل ضدنا بذكاء: يصنعون لك صورة، ثم يبيعونك وهم التفوق، ثم يستعملون صوتك ضد بلدك وأنت تظن أنك مستقل.
لا يعني هذا أن نتحول إلى مجتمع يشك في الجميع. هذا ظلم وخطأ. لكن لا يعني أيضًا أن نظل سذّجًا في عالم لا يرحم. المغرب لا يحتاج إلى هستيريا، لكنه يحتاج إلى يقظة. يحتاج إلى شفافية: من يمول؟ لماذا؟ ومن يروّج لمن؟ وبأي ثمن؟ يحتاج إلى وعي: ليس كل من يتكلم بهدوء صادق، وليس كل من يتزين بلغة حقوقية مستقل، وليس كل من يظهر كثيرًا يستحق أن يُصدَّق.
السيادة اليوم ليست فقط سلاحًا وحدودًا. السيادة هي وعي. هي أن نحمي سرديتنا، وأن نعرف كيف تُدار الحروب الناعمة، وأن نفهم أن أخطر اختراق هو الذي يجعلك تردد خطاب غيرك وأنت مقتنع أنك “تفكر بحرية”.
المغرب يُحارَب لأنه يتقدم. والسؤال ليس: هل هناك من يريد التأثير علينا؟ هذا أكيد. السؤال هو: هل نملك ما يكفي من الوعي لكي لا نُستدرج؟ لأن البلد الذي تُخترق صورته، يُخترق موقفه بعدها. والبلد الذي يفقد ثقته بنفسه، يسهل التحكم فيه دون جندي واحد.