الكأس الإفريقي والوطن

Écrit par

dans


عبد الرحمان زيطان

الوطن في العينين… كذلك كتبت الروائية السورية حميدة نعنع منذ قرابة خمسين سنة مضت فينا عنوانًا لروايتها الرائدة، حين كانت الكلمات طلقات نار وأحلامًا، تقيم فينا مسارات القبض على المعاني وسرديات الأنا والآخر والمشترك الإنساني… هو عنوان كان يحمل في طياته أكثر من غبار المعاناة العاصفة، ووهج الغضب المتسرب من فوهة الصمت المتراكم في الذات، وسربًا من أسئلة الوجود والإرادة والمعنى.

عنوان أدركتُ، منذ القراءة الأولى لمتن هذه الرواية قبل أربعين سنة من زمن الناس هذا، أنه ليس مجرد عنوان منحوت من لغة نفسية فائضة أو مقتطف من فاكهة عقل متقد بالحماس والإرادة والحلم، وإنما هو إشارة مرور على طريق رحلة طويلة مفتوحة بين تلال صخرية اسمها تاريخ الإنسان التابع، ومتاهات صراع الإنسان مع إنسانيته. وما كنت لأحسبه اليوم إلا عنوانًا عميقًا يستوعبنا كما يستوعب فينا أحلامنا. لذلك أجده في يومنا هذا يقبل الهجرة الطوعية والنقل الدلالي، كما يقبل تناصُّه الثقافي التبني في أوسع معانيه.

بعيدًا عن لغة العواطف والمشاعر التي قد تكون مجرد وقود غضب بدائي، وحطبًا مشتعلًا في حقول “الفِتن”، أو انحدارًا نحو القاع في سلم العنصرية، أو حتى السقوط المجاني في سرداب الضياع الحضاري. وبعيدًا عن خطابات العدمية ولا حتى الشعبوية المفضية للانزياح وإثارة نزعات الانحطاط وتنمية الوعي الزائف. وبعيدًا، أيضًا، عن متاهات الإغراق والإشباع الذي تمارسه على عقولنا التائهة منصات التواصل الافتراضي، والتي، في غالب الأحيان، تدفعنا، أو على الأقل، جُلنا، إلى إنتاج وإعادة إنتاج عجزنا المكتسب بالفهم الذي اتخذه عالم النفس الأمريكي مارتن سليغمان، وتخلفنا المتوارث، وأعطابنا المتجددة؛ حان الوقت كي نواجه أرواحنا المهشمة وعقولنا المغتالة، فنحن بقوة الواقع من التوابع، وفي أحسن التوصيف وأفضله “من التوابع الصاعدة”. والتابع الذي شغل الكاتبة الأمريكية ذات الأصول البنغالية غياتري سبيفاك، مهما طال زمن سباته التاريخي والحضاري، لا بد أن يتكلم ولو بالرمز، ليس من باب الحق في الكلام، ولا حتى من باب الصياح والضجيج، وإنما أيضًا من باب الحق في الألم، وفي الوجود. لقد حان الوقت لنتألم بعقولنا لا بمشاعرنا وعواطفنا، ذلك الألم الذي لا يفضي إلى الغضب البدائي، وإنما ذلك الغضب الصامت والهادئ الذي يفضي إلى تفجير ينابيع العقل في وجه صدمة التاريخ والجغرافيا بالنقد الملتزم والوعي الممكن، بهدف التجاوز وإثبات وجودنا التاريخي والحضاري؛ فنحن بالتأكيد شعب لم يولد وطنه على “مائدة الكبار” في زمن تحول المنظومة الرأسمالية وانتقالاتها الكبرى، وإنما نحن شعب وليد تاريخ حضاري أصيل وممتد، متعدد الروافد، مركب الهوية، ومن ثمة، لسنا حصيلة توزيع كعكة الاستعمار، ولا حتى حصيلة تطلعات نخب نزلت بالمظلات من طائرة الحرب الباردة في لحظة غضب الأرض وأصحابها.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

فإيقاعات زمن التحول صارت سريعة، متغولة فينا كفيروس خُلِق في سراديب المختبرات، يقتات على اليقينيات والحقائق، كما يقتات على تفاصيل الناس في عيشهم الحضاري، وأسئلة مستقبلهم المنهوك بالعجائب والغرائب واللايقين وغير المتوقع.

حان الوقت، إذن، لنستوعب أن لعبة كرة القدم كظاهرة من ظواهر العصر النيوليبرالي، يجب أن تبقى داخل المستطيل الأخضر وعلى حدوده، تنتج مساحات للترفيه أو حتى للتفريغ والتعويض، تنضبط لقوانينها ومعاييرها وأخلاقياتها، وحتى لسوقها، دون أن يُترك المجال أمامها مفتوحًا للتجاوز والتأثير والضغط. أما السياسة الدولية، فبما هي تدبير للمصالح والحروب الباردة والتوازنات وخوارزميات العلاقات، فلغتها الراهنة هي التفاوض المباشر وغير المباشر، والتعاقد، من أجل الشراكة والتعاون والبحث عن مسارات التشابك والتشابك في ضوء منظومة المصالح الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية وتطلعات الشعوب وما إلى ذلك، عن طريق الدبلوماسية الصلبة والناعمة. حدودها مرتبطة بميزان القِوى والقوة، وبطبيعة الحلفاء، والتحالفات، والمردودية، والأثر. فلا الكرة ينبغي لها أن تتحول إلى ميدان حرب باردة وسياسة، ولا السياسة ينبغي لها أن تتأثر وتنفعل وتدور في فلك الكرة ودوائرها. ومن شاء أن يفعل فيخلط هذه بتلك بالقصد المريب والهدف المقيت، فقد ضل وزاغ بضعفه وسوء تقديريه، وتحت تأثير أعطابه الوطنية والفكرية والسياسية عن طبيعة الأمور. نحن لا نحُدث الماضي ولا نصنع تفاصيله بإيجابياتها وسلبياتها، ولا ينبغي لنا حتى أن نعيد إنتاجه، ولا العيش تحت سلطته ومقولاته، وإنما واجب علينا تأويله بما يليق بحاضر أوطاننا ومستقبلها؛ فقد ترك فينا الاستعمار ما ترك من عدوى العداء المجاني والعنصرية المقيتة والغضب البدائي العابر للحدود.

هذا الدرس بليغ لمن شاء أن يفهم ويستوعب ما جرى ويجري، وبلادنا قد أسدلت الستار عن حدث رياضي قاري بعدما استضفنا الدورة الخامسة والثلاثين من كأس أمم إفريقيا على أرضنا، كتمرين متعدد الأبعاد والفوائد في طريقنا نحو استحقاقات 2030 الكروية العالمية، في ملاعبنا الجديدة الراقية، في ليلنا المضيء ونهارنا الممطر، في شوارعنا وحاراتنا، مع أنفسنا ومع ضيوفنا، مع أصدقائنا وأشقائنا وأعدائنا أيضًا. وهو بالفعل ما حصل معي بالتدرج، على الأقل، عبر ثلاث محطات للفهم في غاية الأهمية:

الأولى، ما فهمته وأنا أمارس سلطتي على زر التحكم، بعد طلقة صفارة حكم المباراة، وهو يعلن عن نقطة النهاية في رحلة التنافس القاري، من دون حتى أن أنتظر مشاهدة مسرحية التتويج؛ حيث حاولت الانسحاب بأقل الخسائر العاطفية، حفاظًا منّي عليّ؛ فرياح الواقع والوقائع لا تجري دوما بما تشتهيه انتظاراتنا، وتقديراتنا لذواتنا وللآخرين من أصدقائنا وأشقائنا وأعدائنا أحيانًا تخطئ النظر.

الثانية، ما فهمته وأنا أتصفح الأخبار المتداولة في الساحة الوطنية حول الاستقبال الذي حظي به الوفد السينغالي عالي المستوى من طرف الدولة المغربية، ونتائج الدورة 15 للجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية السينغالية، والمنعقدة بمدينة الرباط في بحر الأسبوع الأخير من يناير المنصرم، وما تضمنه البيان الختامي المشترك حول هذه الدورة من اتفاقات ومسارات والتزامات وطموحات في غاية الأهمية، وكذا ما قدمه الوفد السينغالي من تصريحات وما قام به من أنشطة وزيارات، بما فيها تلك الزيارة التي قام بها للبرلمان المغربي في لحظة “صادفت” تقييم نواب الأمة للأداء التنظيمي الخاص بهذه الدورة الكروية المثيرة لأسئلة الجدل فيما بين الرياضة والسياسة من اتصال وانفصال.

الثالثة، ما استطعت فهمه واستيعابه من وراء تفاصيل إعلان لجنة الانضباط بالاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وما تضمنه هذا الإعلان من عقوبات في حق هذا وذاك، وخلفت ما خلفته من غبار عاصف، وأسئلة الجدوى، دفعت البعض إلى الانقلاب على نفسه، فيرفع يافطة “ارحل”، وكأن الأمر يتعلق بنزاع مفتعل بين أبناء حي شعبي، أو أن قياس الربح والخسارة في ميزان الوطن واختياراته واستراتيجياته موضوعه ينحصر في حدث أو تفصيل من تفاصيل مسار الأداء وسيرورة البناء.

بحسب طبيعة تأويلنا للأحداث والوقائع، قد نتفق أو نختلف، وهذا من طبيعتنا كبشر، وكمواطنين. ولأننا مغاربة، كل في ميدانه ووظيفته، نحمل جميعنا قميص هذا الوطن وما يختزنه من رموز ودلالات، ونردد النشيد الوطني بحماس، في الملاعب وفي المقاهي وفي الساحات وحتى في بيوتنا مع ذواتنا وأسرنا، ونعتز بأمتنا وبرموزها وبثوابتها وبمقدساتها؛ من حقنا أن ندافع أو نساند أو ننتقد، كما من حقنا أن نحزن أو نغضب، ومن حقنا أن نفرح أيضًا ذلك الفرح الجماعي الذي به نجدد دماء الانتماء، ونرسخ من خلاله رموز هويتنا، ونعالج به بعضًا من أعطاب المواطنة في أنفسنا وأرواحنا وعقولنا. لكن يبقى من واجبنا، كذلك، أن نمارس على أنفسنا سلطة الانحياز بأكبر قدر ممكن من التحيز إلى الموضوعية، بما تستلزمه من حياد مبدئي، ومن حسن النية والثقة، ومن فضيلة التقدير والاعتراف، وما يرتبط بكل هذه وتلك من مسؤولية القول والرأي والاختيار كذلك. فما تحقق بالمجهود الوطني، وما صنعته وابتكرته العقول والأيادي المغربية، وفي ظرف زمني قياسي، يستحق فائق الإشادة وخالص التهنئة، وليس بنا إلى التزام القول: إننا في هذا المجال بالضبط نجحنا كأمة، نجحنا كدولة في البناء وتفعيل الاستراتيجية، وفي الأداء التنظيمي والإنجاز، ونجحنا كمجتمع في الاحتضان والتفاعل وحفاوة استقبال الضيوف بمكارم الأخلاق الحضارية والرياضية التي تليق بهذه الأمة. أما ما عدا ذلك، ففيه نظر واختلاف في التقدير والتأويل والتقييم، ولا يفسد للود الوطني والانتماء للوطن قضية.

بناء عليه، وفي ظل السياق الوطني الحالي، وحيث أن كثيرًا من المغاربة يواجهون هذه الأيام لطمات الثلج، ولسعات البرد، وغزارة الأمطار، وعواصف الرياح، وهيجان الأنهار والسيول والفيضانات وانهيار المباني والطرق، كل بحسب وضعه ووضعيته وقدراته وإمكانياته؛ بالتدخل وبالتضامن ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وحتى بالدعاء والرجاء؛ صار من اللازم إغلاق هذا القوس الذي ليس من الفضيلة أن يظل مفتوحًا. فلا يعيب الرأي والاختيار إن قلت إني كمواطن مغربي منحاز لوطني وقضاياه الأساسية والمصيرية، مدافعًا أو مساندًا أو ناقدًا أو حتى مساندًا مساندة نقدية، اخترت أن أظل مقتنعًا بأداء الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وبالنموذج الرياضي المغربي، وبأداء المنتخب الوطني بمختلف مكوناته في هذه الدورة من كأس إفريقيا للأمم. كما كنتُ ولا زلت مقتنعًا بأن النجاح الكروي يتحقق بصلاحية الرؤية الاستراتيجية، وبالتراكم، وبدرجة النضج، وبنجاعة الأداء وديمومته، وبالدعم المجتمعي المتواصل. فكل استراتيجية في مداها الزمني ترتبط بالمدى الممتد لا بالمدى الزمني المحصور، ولا تعنيني في شيء شخصنة القضايا وأحكام القيمة والصيد في الماء العكر وقياس القضايا مع وجود الفوارق، بقدر ما يعنيني بناء المؤسسات وترسيخ وظيفتها وتراكمات الأداء والإنجاز، وربط المسؤولية والمهام والوظائف بالمساءلة والمحاسبة على أساس ما تحقق ويتحقق من الرؤية الاستراتيجية ومن الأهداف على أرض الواقع من نتائج وأثر؛ فالذي يمارس يخطئ، والذي يجتهد ويبتكر يتجاوز، وما النجاح إلا سلسلة من أخطاء الفعل، يتم تشخيصها وتحليلها ومعالجتها وتجاوزها بالإرادة الصادقة ومصداقية الأداء والممارسة بالنجاعة المطلوبة.

وبالنظر إلى هذا، يحق لي القول كذلك، وفي نفس السياق، وكما سبق لي القول في مناسبات سابقة، بأن النموذج الرياضي المغربي الحالي في كرة القدم أثبت فعاليته، لذلك يمكن اعتماده نموذجًا أصيلًا قابلاً للتحويل والتعميم من حيث هو جملة تحديات ورهانات متصلة بطبيعة الواقع وبسياقاته الوطنية والقارية والعالمية، ومن حيث هو رؤية استراتيجية متصلة بالواقع، وتكتيك متصل بالأولويات والإمكانيات والمقدرات، ومن حيث هو استثمار مندمج متعدد المنافع، ومن حيث هو جملة أداءات وإنجازات وأثر بامتداداته المتعددة في الاقتصاد وفي السياسة وفي الاجتماع وحتى في الثقافة؛ قابلاً للتحويل والتعميم في مجالات أخرى من مجالات ومكونات النموذج التنموي، والمتمثلة أساسًا في النموذج الاقتصادي والنموذج الاجتماعي (في التربية والتعليم والتكوين والصحة والشغل والسكن)، كما في النموذج الثقافي والنموذج السياسي والنموذج الإداري. أو هذا ما يجب أن يكون؛ فالوطن لا تتقدم فيه قاطرة التنمية وهي تجر وراءها عربات مختلفة السرعة وبينها فوارق إلى حد التضاد. التنمية منظومة حقوق، ونسق قائم على التفاعل البنيوي بين مجالاتها الأساسية، والتقائية المشاريع المهيكلة والبرامج التنفيذية وتكاملها في الموضوع كما في المجال كما في الأداء والإنجاز، كما في الأثر.

وعلى أساس هذا الاقتناع، وبصفتي مواطنًا، أنهي الحديث في هذا الموضوع، وأضع نقطة النهاية، وأرجع إلى سطر باقي القضايا التي، أراها، تستحق الكثير من الاهتمام والكثير من الالتزام. فالمغرب أمة صاعدة، تواجه اليوم تحديات كبرى، وملتزمة برهانات أكبر، وأمامها مشاريع مفتوحة وغير قابلة للتأجيل، وعلى رأسها قضية وحدتنا الترابية وأسئلتها المرحلية التي يطرحها القرار الأممي 2797، وهي أسئلة لا شك أنها تستدعي أجوبة ونقاشًا عموميًا وتعبئة وطنية. ثم قضية مضمون الدولة الاجتماعية من حيث الاستراتيجية والتدبير والأداء والإنجاز. وقضية الديموقراطية وما يرتبط بها من أسئلة حول منظومة الحقوق والمواطنة ومستلزمات البناء المؤسساتي، وأسئلة الجيل الجديد المطلوب من الإصلاحات في مجالات الحكامة الإدارية والمجالية في ضوء الجهوية المتقدمة، وأسئلة العدالة والمساواة والحرية والتدبير التشاركي للشأن العام. وكذا رهانات التحديث وتأصيل الحداثة في مختلف مجالاتها، بما في ذلك حقوق المواطنة، وتحصين وظائف الأسرة، وتأصيل النموذج البيداغوجي في مختلف الأسلاك التعليمية وربطه بالحاجات الحقيقية للفرد والمجتمع، كل هذا في ظل نموذج تنموي وطني عصري أكثر نجاعة، وأكثر فعالية، وأكثر عدالة، وأكثر إنصافًا.

إقرأ الخبر من مصدره