فيضانات القصر الكبير تكشف « هشاشة التواصل المؤسساتي » خلال الأزمات

Écrit par

dans


هسبريس- أيوب صدور

لا يقل التواصل المؤسساتي في لحظات الأزمات أهمية عن التدخل الميداني نفسه، إذ تشكل المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب خط الدفاع الأول ضدّ الخوف والارتباك وتناسل الأخبار الكاذبة والزائفة.

خلال فيضانات القصر الكبير برز الصمت الرسمي كعامل مقلق عمّق منسوب القلق لدى الساكنة والأهالي على حد سواء، فاتحا الباب على مصراعيه أمام تناسل الإشاعات وتضارب الروايات، في ظل غياب بلاغات من فقرات واضحة تطمئن الرأي العام وتؤطر الوضع بحقائق دقيقة من أفواه أصحابها.

وبين ضغط الحدث وتسارع تداول الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحول “الفراغ التواصلي” إلى بيئة خصبة لنشر الهلع وتأجيج المخاوف، حيث طغت أنباء عن تشقق بنية السد، فيما ذهب آخرون إلى الحديث عن عدم اشتغال فوهته… وبين هذا وذاك غابت الحقيقة، ما يطرح بإلحاح سؤال نجاعة التواصل المؤسساتي أثناء الأزمات، وحدود مسؤوليته في حماية المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى المعلوماتية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} جودة الخطاب

رشيد بلزعر، أستاذ محاضر في مجال التواصل، قال إن “التواصل خلال الأزمات يعد من الآليات الجوهرية التي تساهم في احتواء الأزمة وتجاوز تداعياتها، شريطة أن يقوم على تواصل فعال يستند إلى ثلاثة مبادئ أساسية، الأول يتمثل في تحمل المسؤولية ومواجهة الأزمة بشفافية ودون تهرّب، فيما يقوم المبدأ الثاني على الاستباقية وضرورة الشروع في التواصل فورا، قبل أن تفرض الساكنة تساؤلاتها أو تملأ الإشاعات فراغ المعلومة؛ أما المبدأ الثالث فيرتكز على الاستمرارية من خلال الحرص على عدم ترك فراغ سردي قد يسمح بانتشار التأويلات والقراءات غير الدقيقة”.

وأضاف المتخصص في التواصل لهسبريس أن “المؤسسات التي تبادر مبكرا إلى التواصل، وتبني خطابها على تحمل واضح للمسؤولية، تنجح في تحويل التواصل إلى أداة للصمود وبناء الطمأنينة، بدل أن يظل مجرد فعل متأخر يقتصر على رد الفعل”.

وعلاقة بأزمة فيضانات القصر الكبير أشار بلزعر إلى أن “الاستجابة المبكرة ساهمت بشكل مباشر في تفادي وقوع ضحايا، وهي نتيجة تحسب للمسؤولين عن تدبير الأزمة، وتعكس فهما سليما لمبدأ الاستباقية في التواصل، إذ سبق التدخل الميداني التغطية الإعلامية وتصاعد الشكوك داخل المجتمع”.

غير أن الجانب الذي يستدعي التقييم، بحسب المتحدث ذاته، يتعلق بجودة الخطاب وآثاره النفسية، موضحا أن “بعض الرسائل، رغم نية الطمأنة، صيغت بأسلوب أثار قلقا إضافيا لدى المتلقين”، ولافتا إلى أن “التواصل في زمن الأزمات يتجاوز نقل المعلومة إلى فن إدارة المشاعر وبناء الثقة”.

وعلى مستوى المحتوى أورد أستاذ التواصل أن “المرحلة الأولى ركزت بشكل طبيعي على إنقاذ الأرواح وتأمين الحاجيات الأساسية، من قبيل الإيواء والغذاء”، مردفا بأن “التواصل الناجح ينبغي أن ينتقل في مرحلة لاحقة إلى الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بما بعد الأزمة، مثل حجم الخسائر وآليات التعويض، وألا يتوقف بانتهاء الخطر المباشر، لأن أي فراغ تواصلي في هذه المرحلة قد يتحوّل إلى أزمة ثقة موازية”.

وختم بلزعر تصريحه بالتأكيد على “ضرورة انتقال الجهات المسؤولة عن تدبير الأزمات من منطق ‘الردّ على الأزمة’ إلى منطق ‘إدارة السردية’، حتى تتحول الأزمات من تهديدات حقيقية إلى فرص لتعزيز المصداقية وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة”.

معضلة بنيوية

اعتبر محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، أن “فاجعة القصر الكبير حلقة جديدة في مسار متكرر لاختلالات التواصل المؤسساتي خلال مراحل الأزمات، وهو ما يكشف عن معضلة بنيوية”.
وأضاف الفاعل الحقوقي ذاته، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “أول مظهر يتمثل في غياب مخاطب مؤسساتي واحد وأوحد، يساهم في قيادة عملية التواصل في أبعادها المتعددة، رغم وجود آليات رسمية من قبيل اللجنة الوطنية لليقظة”، مستحضرا “اختفاء الحكومة بشكل كامل”.

ويرى المصرح نفسه أن “هذا الغياب يتكرر في مختلف الأزمات، ويؤدي كل مرة إلى تشتت الخطاب وتعدد المتدخلين الرسميين وغير الرسميين، ما يجعل الفضاء الرقمي مجالا لانتشار الشائعات والأخبار الكاذبة، وبالتالي إرباك الرأي العام”، وأشار إلى أن “التواصل ظل قطاعيا ومجزأ، مرتبطا بقرارات منفصلة تصدر عن قطاعات مختلفة دون انتظام زمني للبلاغات ودون خطاب تحذيري وتنبيهي استباقي يواكب تطور المخاطر ويؤطرها ضمن رؤية تواصلية شاملة”.

كما أورد المتحدث أن “ما يسجل على نمط التواصل هو اختزاله في البعد التقني والإجرائي، وممارسة وظيفة تدبيرية”، مبرزا أن “المعلومة في زمن الأزمات بالأساس هي حق أساسي للمواطن تتجاوز التحذير والتنبيه والمنع والإيقاف إلى حق أساسي واحترام الحق في الحياة والسلامة وبناء الثقة بين الدولة والمواطنين”.

واختتم بن عيسى إفادته بالتأكيد على أنه “زمن الأزمات يفترض أن يظهر منطق التدبير العقلاني والقيادة الجماعية عبر تنسيق مؤسساتي وتواصل موحد وواضح، لا عبر خطاب قطاعي مشتت، على اعتبار أن التواصل في هذه اللحظات الحرجة يعد ممارسة سيادية تعيد الاعتبار لقوة الدولة بوصفها ضامنة للحقوق، وتضع المواطن في مركز الفعل العمومي باعتباره صاحب حق في المعلومة والفهم والطمأنة”.

إقرأ الخبر من مصدره