
محمد شهبي
لم يعد الخطاب السياسي اليوم مجرّد تعبير عن برامج أو مبادئ إيديولوجية. بل أصبح، كما يبيّن فيليب ريتور في كتابه المرجعي “سوسيولوجيا التواصل السياسي”، سلعة تخضع لمنطق السوق، وعرضًا مسرحيًّا يُصمَّم بعناية ليلائم إيقاعات الإعلام وانتظارات الجمهور. هذا التحوّل الجذري ليس تقنيًّا فحسب، بل هو ظاهرة اجتماعية عميقة تعيد تشكيل جوهر الممارسة الديمقراطية ذاتها.
من “فن الحُكم” إلى “صناعة الصورة”
يُظهر ريتور أن التواصل السياسي لم يكن دائمًا بهذا الشكل. ففي بدايات الجمهورية الفرنسية، ارتكز الخطاب السياسي على البلاغة البرلمانية والجدال العقلاني داخل المؤسسات التمثيلية. لكن مع ظهور الإذاعة ثم التلفزيون، دخلت السياسة عصر “التمثيل المرئي”، حيث لم يعد المهم ما يقوله السياسي فحسب، بل كيف يظهر، وما هي الإيماءات التي يعتمدها، وحتى ما هي الخلفية الموسيقية التي تُصاحب ظهوره.
لم تكن هذه التحوّلات ميكانيكية. فقد لعب “خبراء التواصل” دورًا محوريًّا في إعادة هندسة الخطاب السياسي. لم يكتفوا بتجميل صورة السياسي، بل أعادوا تعريف ماهية الفعل السياسي نفسه: من ممارسة جماعية قائمة على المساومة والتمثيل، إلى أداء فردي يركّز على الشخصية الكاريزمية واللقطات الإعلامية القصيرة التي تُصمَّم خصيصًا لتناسب زمن المشاهدة المتسارع.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} المفارقة المأساوية: عندما يُصبح الرأي العام “صناعة”
من أكثر المفارقات التي يكشفها ريتور أن “الرأي العام”، الذي يُفترض أنه تعبير حرّ عن إرادة المواطنين، أصبح في العصر الحديث منتجًا يُصنع. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين مع ظهور استطلاعات الرأي، لم تعد هذه الأخيرة أداة لقياس المزاج الشعبي فحسب، بل تحولت إلى آلية تُشكّل هذا المزاج ذاته. كيف؟
عندما تُنشر نتائج استطلاع تُظهر تقدّم مرشح ما، فإنها تولّد ما يسمّيه الباحثون بتأثير “القطيع”، حيث ينضمّ الناخبون تدريجيًّا إلى “الغالبية المنتصرة” المتوقعة. وهكذا، يصبح الاستطلاع ليس مرآة تعكس الواقع، بل أداة تُعيد إنتاجه. يصف ريتور هذا التداخل الخطير بين القياس والتأثير بأنه “أزمة تمثيل”: فكيف نضمن أن الديمقراطية تعكس إرادة الشعب، عندما تصبح هذه الإرادة نفسها خاضعة لمنطق التصنيع الإعلامي والاستطلاعي؟
المسرح السياسي وانهيار الحدود
ثمة ملاحظة ذكية يقدمها ريتور: لم تعد السياسة تُمارس داخل المؤسسات (البرلمان، البلديات…) ثم تُنقل إلى الإعلام. بل أصبح الإعلام ذاته المسرح الرئيسي للممارسة السياسية. أصبحت المناظرة التلفزيونية أهم من النقاش البرلماني، وأصبحت التغريدة على منصات التواصل الاجتماعي تحمل وزنًا سياسيًّا يفوق أحيانًا البيان الرسمي.
هذا التحوّل أدى إلى ما يسمّيه ريتور بـ “الاستقلالية النسبية” للتواصل السياسي: فقد انفصلت آليات التصوير والترويج عن المضمون السياسي الفعلي، وأصبحت تُدار بواسطة خبراء ينتمون إلى عالم الإعلام والإعلان أكثر من انتمائهم إلى عالم السياسة التقليدي. النتيجة؟ سياسة تُقدَّم كـ “تسلية”، حيث تختلط الحدود بين الخبر السياسي والدراما، وبين الخطاب الجاد والعرض الاستعراضي.
هل نحن أمام نهاية السياسة؟
لا يقدّم ريتور تشاؤمًا مطلقًا، لكنه يطرح تحديًا وجوديًّا: إذا استمرت السياسة في الانزياح نحو المنطق الاستعراضي، فهل سنفقد القدرة على النقاش الجاد حول القضايا الجوهرية؟ وهل سيتحوّل الناخب إلى “مستهلك” للصور بدل أن يكون فاعلًا في صنع القرار؟
الجواب ليس في رفض الإعلام أو التكنولوجيا، بل في فهم الآليات الاجتماعية التي تتحكّم في هذا التحوّل. فكما يذكّرنا ريتور، التواصل السياسي ليس “ظاهرة خارجية” تُضاف إلى السياسة، بل هو جزء عضوي من بنيتها. السؤال الجوهري إذن هو: كيف نبني مؤسسات ديمقراطية قادرة على احتواء هذه الديناميات دون أن تذوب فيها؟ كيف نحافظ على الفضاء العمومي كمجال للجدال العقلاني، في عالم يُقدّس السرعة والتأثير العاطفي؟
العودة إلى الجوهر
الكتاب لا يقدّم وصفة سحرية، لكنه يقدّم شيئًا أكثر قيمة: وعيًا نقديًّا. ففهم أن الصورة السياسية مصنوعة، وأن الرأي العام قابل للتشكيل، وأن الإعلام ليس مرآة بريئة بل فاعل سياسي بذاته – هذا الفهم هو الخطوة الأولى نحو استعادة السياسة من براثن الاستعراضية.
الديمقراطية لا تموت عندما تختفي المؤسسات، بل عندما يفقد المواطن قدرته على التمييز بين المسرح السياسي والفعل السياسي الحقيقي. ومهمة السوسيولوجيا، كما يرى ريتور، هي أن تسلّط الضوء على هذه الآليات الخفية، لكي لا نصبح مجرد متفرّجين سلبيين في مسرحية كُتب نصّها سلفًا بواسطة خبراء التواصل، بل نستعيد دورنا كفاعلين أحرار في تشكيل مستقبلنا.
-باحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي
إقرأ الخبر من مصدره