ثلث الأسئلة البرلمانية دون أجوبة… اختبار صعب لحكومة أخنوش قبيل الاستحقاقات المقبلة

Écrit par

dans

تدخل حكومة عزيز أخنوش سنتها التشريعية الأخيرة على وقع أرقام رقابية لافتة، تعكس اتساع الفجوة بين حجم المساءلة البرلمانية وقدرة الجهاز التنفيذي على التفاعل معها. فبعد أن كانت الأسئلة البرلمانية إحدى أبرز الآليات الدستورية لمراقبة العمل الحكومي، أضحت في هذه الولاية مؤشراً رقمياً ثقيلاً يلاحق الوزراء، وسط تراكم آلاف الأسئلة دون أجوبة، بما يضع الأداء الحكومي أمام اختبار سياسي واضح في مرحلة دقيقة.

وتكشف المعطيات الرسمية المتعلقة بحصيلة الدورة البرلمانية الخريفية عن تصاعد غير مسبوق في حجم الأسئلة الكتابية، إذ بلغ عددها خلال الولاية التشريعية الحالية نحو 36 ألفاً و795 سؤالاً، لم تُجب الحكومة إلا عن 24 ألفاً و395 منها، أي بنسبة تناهز 68 في المائة. ويعني ذلك عملياً أن ما يقارب 12 ألفاً و400 سؤال، أي حوالي ثلث الأسئلة المطروحة، ظل معلقاً دون رد، رغم ما تمثله هذه الآلية من جوهر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسة التشريعية.

وجرى تقديم هذه الأرقام من قبل الناطق الرسمي باسم الحكومة والوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، مصطفى بايتاس، في سياق إبراز ما وصفه بـ«الدينامية الرقابية» التي طبعت الولاية الحالية، مؤكداً ارتفاع وتيرة استعمال الأدوات الرقابية، ولا سيما الأسئلة الكتابية والشفهية، مع عقد مقارنات رقمية مع الولايات السابقة.

فخلال الولاية التشريعية التاسعة، طُرح نحو 25 ألفاً و147 سؤالاً كتابياً، أجابت الحكومة آنذاك عن 16 ألفاً و793 منها، بنسبة تجاوب بلغت 66.78 في المائة. أما الولاية العاشرة، فقد سجلت طرح 25 ألفاً و727 سؤالاً كتابياً، لم يُجب سوى عن 14 ألفاً و590 سؤالاً، بنسبة لم تتجاوز 56.71 في المائة، ما عكس تراجعاً ملحوظاً في مستوى التفاعل الحكومي خلال تلك المرحلة.

وبالمقارنة، عرفت الولاية الحالية قفزة كبيرة في عدد الأسئلة الكتابية، بزيادة تفوق 11 ألف سؤال مقارنة بالولاية التاسعة، فيما بلغ عدد الأجوبة الحكومية 24 ألفاً و395 جواباً، بنسبة قاربت 68 في المائة، وهو رقم اعتبرته الحكومة قريباً من سقف 70 في المائة. غير أن القراءة السياسية لهذه الأرقام تكشف وجهاً آخر، إذ يخفي هذا «التحسن النسبي» كتلة ضخمة من الأسئلة غير المجاب عنها، تحوّل نحو ثلث الرقابة البرلمانية إلى مسار مؤجل دون أثر مباشر على السياسات العمومية.

ولا يبدو المشهد مختلفاً كثيراً على مستوى الأسئلة الشفهية، التي يُفترض فيها سرعة التفاعل وارتباطها بالنقاش السياسي المباشر. فقد سجلت الولاية التشريعية التاسعة طرح 14 ألفاً و427 سؤالاً شفهياً، مقابل 2 ألف و996 سؤالاً خلال الولاية العاشرة، فيما بلغ عدد الأسئلة الشفهية المطروحة في الولاية الحالية 26 ألفاً و761 سؤالاً.

أما على مستوى الأجوبة، فأجابت الحكومة خلال الولاية التاسعة عن 369 سؤالاً شفهياً، و3 آلاف و592 سؤالاً خلال الولاية العاشرة، في حين لم يتجاوز عدد الأجوبة خلال الولاية الحالية 6 آلاف و186 جواباً، وفق البرمجة المعتمدة داخل مجلس النواب. وتعكس هذه الأرقام، عملياً، أن عشرات الآلاف من الأسئلة الشفهية المطروحة لم تجد طريقها إلى الجواب، بما يبرز فجوة واضحة بين حجم المساءلة البرلمانية والقدرة الحكومية على مواكبتها.

ورغم هذا التراكم، حرص الخطاب الحكومي على تقديم حصيلة الدورة الخريفية في صورة إيجابية، إذ أكد الناطق الرسمي أن مجلسي النواب والمستشارين اختتما أشغال الدورة بحصيلة تشريعية ورقابية «مهمة»، سواء من حيث عدد القوانين المصادق عليها أو تفعيل آليات مراقبة العمل الحكومي. وأوضح أن عدد القوانين التي حظيت بالمصادقة النهائية خلال هذه الدورة بلغ نحو 19 قانوناً، مشيراً إلى أن دورة أكتوبر تظل بطبيعتها دورة استثنائية، بالنظر إلى تركيزها الكبير على مناقشة والمصادقة على قانون المالية.

وأضاف أن القوانين المصادق عليها همّت مختلف الأوراش الإصلاحية الكبرى، إذ شمل القطب الاقتصادي والمالي قانونين أساسيين، فيما عرف القطب السياسي والانتخابي المصادقة على ثلاثة قوانين تهم مجلس النواب والأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية. كما حضرت القوانين ذات الطابع القضائي بقوة من خلال أربعة نصوص تشريعية، إلى جانب قوانين مرتبطة بورش الحماية الاجتماعية، فضلاً عن نصوص تهم الحقوق والحريات، من بينها القانون المتعلق بالوكالة الوطنية لحماية الطفولة وقانون الحالة المدنية.

وفي السياق ذاته، أشار المسؤول الحكومي إلى أن إصلاح منظومة التربية والتعليم، بشقيه المدرسي والجامعي، عرف بدوره المصادقة على مجموعة من القوانين، إضافة إلى نصوص تهم القطب الاجتماعي وفئات متعددة، من بينها موظفو السلطة القضائية والعدل، معتبراً أن هذه الحصيلة تعكس دينامية واضحة في العمل البرلماني وتفاعلاً متزايداً مع الآليات الرقابية.

غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع رقمي مغاير، إذ تُظهر الحصيلة نفسها أن ثلث الأسئلة الكتابية ظل دون جواب، وأن آلاف الأسئلة الشفهية لم تجد طريقها إلى التفاعل داخل المؤسسة التشريعية. وهو ما يضع الحكومة أمام مساءلة مضاعفة في سنتها التشريعية الأخيرة، خاصة في سياق سياسي يتسم بالاقتراب من استحقاقات انتخابية جديدة.

فكل سؤال غير مجاب عنه لا يمثل مجرد رقم في الإحصاءات، بل ملفاً رقابياً مؤجلاً يلامس قضايا المواطنين والتدبير القطاعي والسياسات العمومية. ويجعل تراكم أكثر من 12 ألف سؤال كتابي دون رد مؤشراً ثقيلاً على محدودية التفاعل التنفيذي مع البرلمان، ويضع حصيلة هذه الولاية تحت مجهر نقدي متزايد، في وقت تتسارع فيه وتيرة المساءلة بوتيرة تفوق قدرة الحكومة على الاستجابة

إقرأ الخبر من مصدره