
عزيز بويغف
إن موضوع العلاقة مع الآخر من المواضيع التي أسالت الكثير من المداد، لما تَتَّسِمُ به من تعقيد وغموض وتشعُّب. إننا أمام علاقة مُرَكَّبَةٍ تعيشها غالبا المجتمعات التي عانت القهر دَهْرًا، ورأت في التبعية منفذا للخلاص من أوضار الماضي وانتكاساته، وهذا بطبيعة الحال يغدو صورة لتعثر الوعي بالذات، بل واحتقارها أحيانا.
في هذا السياق تبرز إلى السطح “عُقدة الآخر” باعتبارها سلوكا نفسيا وثقافيا يتجاوز الفرد إلى المجتمع، حيث تميل الجماعة إلى الاعتقاد بأن إحراز التَّقدير مرتبط أساسا بشهادة الآخر عنها وموقفه منها، ذلك أن “الآخر” لا يُستقبل في وعي الجماعة ككائن عادي، بل بوصفه مرآة يحتاجها للإحساس بالوجود والمشروعية والاعتراف.
وفي الحالة المغربية لا يظهر احتقار الذات كسلوك مرضي فَجٍّ ومُعلن، إنما يتخذ صُوَرًا رمزية، إذ يتم تمجيد كل وافد بشكل مبالغ فيه، وبالمقابل يتم تبخيس كل ما هو محلي وَإِنْ ضمنيا. لقد حَوَّلْنَا الترحاب بالآخر إلى هَاجِسٍ تعويضي يَنُمُّ عن الإحساس بالدونية، بَدَلَ أن نجعله فعلا ثقافيا يعكس حضارتنا الضاربة في القدم، وأخلاق المغاربة على مَرِّ التاريخ، كَأَهْلِ بَذْلٍ وعَطاء وجُود وكَرَمٍ. وكأن ثقتنا في ذواتنا أضحت مَحَلَّ شَكٍّ، فأصبح اعتراف الآخر بنا شَرْطَ وُجُودٍ، لهذا علينا الإفراط في إرضائه، لا انطلاقا من قيم الضيافة والترحاب، وإنما بحثا عن مُداواة النقص الذي يحس به بعضنا أمام الأجنبي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
نرى في هذا الصدد، أًنْ نُقدم مفهوم فلسفة “كْعْبْ غْزَالْ” كتجسيد إجرائي يحمل بين طياته كثيرا من الدِّلالات التي تعكس تَحَوُّلَ الكرم عند بعض المغاربة من فعل اجتماعي بأبعاد أخلاقية إلى كَرْنَفَالٍ استعراضي مُوَجَّهٍ للفرجة. فكما نُقدم الحلوى إرضاء للذَّوق وإشباعا له، يُقَدِّمُ البعض الترحاب الزائد لإرضاء الآخر، قبل التركيز على بناء علاقة تتسم بالتكافؤ والنِّدية معه. إننا إزاء “فلسفة” تقوم على الإفراط في الإدهاش والرغبة في الإبهار، “فلسفة” تنتظر المقابل الرمزي في أفق دَفْعِ الآخر للاعتراف بنا والإعجاب بثقافتنا وَقِيَمِنَا وأخلاقنا. وأمام هذه الصورة المشروخة، والتناقض الصارخ، لا يكون الآخر شريكا لنا في الوجود، بل مرآة نبحث فيها عن وجوديتنا “الكاذبة” التي تفتقد القوة والتميز والحضور المختلف.
لقد تحولت كأس إفريقيا الأخيرة التي نظَّمها المغرب، إلى كُوَّة كشفت عن تجليات هذه “الفلسفة” في فضائنا العمومي، في مقاهينا وساحاتنا ومُدَرَّجَاتِنَا، إذ تَحَوَّلَ هذا المحفل الرياضي إلى فضاء اجتماعي ومسرح رَحْبٍ، عُرضت فيه الكثير من المشاعر الجياشة تجاه الأجنبي، والترحاب المبالغ فيه، والطعام المجاني، ويمكن أن نقول إن هذه الممارسات ذات الأبعاد الاجتماعية الرمزية، استحالت فعلا فُرجويا أمام الكاميرا، دون أن تَمَسَّ كَيْنُونَتَنَا الاجتماعية، وجوهر تفكيرنا.
إن وجه التناقض هنا يبدو واضحا خاصة حين نقارن بين صورة الأجنبي الوافد إلينا خلال البطولة، الذي استقبلناه بحفاوة زائدة وكرم حاتمي لا حدود له، والمواطن العادي الذي يعيش بيننا ويعاني ويلات القهر والحرمان والخذلان، إذ يعامله بعضنا بقسوة ويتنكر له ويمارس عليه أقصى صور الإقصاء والعنف الرمزي واللامبالاة. هذا الشرخ في التعامل، وهذا التناقض الملحوظ يكشف أن الترحاب عندنا لم يعد قناعة إنسانية ولا قيمة سامية خالدة، إنما سُلوكا مزاجيا مرتبطا بالسياق والظروف المستجدة. إن رهاننا هُنَا رهان قصير المدى، يَنُمُّ عن انتهازية مقيتة ووصولية ساذجة تُكَرِّمُ الآخر- العابر المؤقت- وتغفل الدائم صاحب الأرض المهمش الذي يعيش ظروفا اجتماعية قاسية وقلقا وتوترا دائمين، ويحتاج من يَمُدُّ له يد العون في إطار التكافل الاجتماعي وقيم الإخاء والتسامح والاحترام المتبادل.
ونؤكد أن الانفتاح الثقافي والانتصار للمشترك الإنساني، يقتضي النظر إلى المسألة من منظور مختلف، فنحن نحتاج أولا الوَعْيَ بذواتنا وتقديرِها ومنحها القيمة التي تستحق قبل الانشغال بالآخر ومحاولة إرضائه وكسب عطفه، لأن العلاقات الإيجابية المبنية على أسس متينة لا تتحقق في غياب تقدير الذات، ذلك أن منطق الانفتاح يَفْرِضُ الندية، أما الذوبان والانصهار وإغفال الخصوصية فيعني الاستلاب، وبالتالي يفرض التنازل والبحث عن القَبول في عيون الآخر عبر التملق وإهدار الكرامة. إن الترحاب المفرط الذي كشفنا عنه في بطولة كأس إفريقيا ترحاب معطوب، جَعَلَنَا نتماهى مع الآخر دون القدرة على تحصين الذات والانتصار للانفتاح الواعي. لقد أوهمنا أنفسنا بالتفوق وأغفلنا طرح الأسئلة الأكثر إلحاحا، ومن ضمنها أسئلة العدالة الاجتماعية والكرامة والتكافل والاتحاد، بالمقابل حاولنا جاهدين بناء ملاحم بَرَّاقة واحتفالات مُبْهِجَة راهنت على الخارج أكثر من الداخل.
إننا في رؤيتنا المتواضعة هذه، لا نبتغي تبخيس القيم المُثلى التي ميزت المغاربة على مر الحقب والأزمان، ولا نروم الطَّعن في خصوصيات الثقافة المغربية المحلية التي شكلت على الدوام نموذجا للإيثار والجود والكرم، إنما نحاول مقاربة إشكال تَحَوُّل الضيافة الزائدة إلى صُوَرٍ استعراضية كرنفالية تهدم ما بناه الأجداد، وَتُحَوِّل المغاربة إلى “كائنات” تفتقد القيم الحقة وَتُفْرِغُ الفعل الحضاري الذي يميزها من أبعاده الأخلاقية. إن مفهوم “حسن الضيافة” حين يتم إفراغه من حسه الحضاري، وحين يغدو وسيلة لتلميع الصورة في عيون الآخرين، بدل الاعتداد بالذات وصونها وتحصينها من شوائب الاستعباد، يتحول إلى كاريكاتور ثقافي، يسيء للأمة أكثر مما يخدمها ويحمي مصالحها، ومن ثم، أضحى من الضروري والحتمي إعادة التفكير في علاقتنا بالآخر، لأن كرامتنا كشعب رَاقٍ فوق كل اعتبار، ولأن تاريخنا المجيد شاهد على عظمتنا وقوتنا وتميزنا، إذ لا أظن أننا نحتاج إلى شهادة من الآخر حتى نعتد بذواتنا ونعي قيمتها.
والجدير بالذكر أن الخطر لا يكمن في ترحابنا بالآخر، بل في أن نفعل ذلك على حساب كرامتنا وَقِيَمِنَا ومبادئنا واحترامنا لذواتنا. إن الأمم الواثقة من نفسها، والمعتزة بثقافتها وحضارتها، لا تحتاج إلى الاستعراض ولا إلى المبالغة في الكرم، ولا إلى تحويل الأخلاق إلى مشاهد فُرْجَوِيَّة حتى يتسنى لها كسب عطف “الآخر” وإثارة إعجابه وإقناعه بالقيم الأصيلة التي ميزت المغاربة على مَرِّ التاريخ. لأننا نعي جيدا أن الاعتراف الحقيقي لا يتحقق بالبهرجة والاستعراض، بل بإرساء ركائز الوعي لدى المجتمع، وتمتيعه بحقوقه، وضمان العدالة الاجتماعية التي من شأنها هزم الخصوم، وضمان إحساس المجتمع أمامهم بالندية. ومن هذا المنطلق لا يكون تجاوز فلسفة “كْعْبْ غْزَالْ” احتقارا للآخر أو رفضا له، إنما شرطا أساسيا لإعادة الاعتبار للذات المغربية ولإقامة علاقة إنسانية مع الآخرين سمتها الصدق والوضوح والاحترام المتبادل.
-أستاذ باحث
إقرأ الخبر من مصدره